الافتتاحية: قمة كوالالمبور.. تشق الصف ولا توحده

  • 22 ديسمبر 2019

منذ تأسيسها عام 1969، شكّلت منظمة التعاون الإسلامي، الإطار الجامع لدول العالم الإسلامي والسقف الذي يلتئم تحته شملها، وكانت على الدوام منصّة لتقريب وجهات النظر وجسر الفجوات بين الأفكار والطروحات، ومن ثم توحيد الرؤى والمواقف تجاه مختلف القضايا التي تمسّ حياة الأمة ومستقبلها، والسعي نحو كل ما يحقق مصالحها بعيداً عن سياسات المحاور والتحالفات ونهج الاستقطاب والتحزب.
فالمنظمة التي انطلقت تحت اسم «منظمة المؤتمر الإسلامي» وقفت تاريخياً على مسافة واحدة من كل الدول الأعضاء ولم تكن يوماً طرفاً في خلاف بينيّ ولم تتحيز لعضو على حساب آخر، بل عملت بجد وتجرد على جمع الكلمة وتوحيد الصفّ ونبذ الفُرقة والشقاق، وبذلت جهوداً لا ينكرها إلا جاحد من أجل نهضة الأمة الإسلامية والدفاع عن قضاياها ودعم حقوق شعوبها، وكانت عاملاً فاعلاً وطرفاً وازناً في تحقيق الاستقرار والمحافظة عليه وتدعيمه في الدول الإسلامية، ولم تحجم يوماً عن الاستجابة لطلب أي من الدول الأعضاء الـ 57 لعقد القمم والاجتماعات حال اقتضاء الأمر.
في ظل ذلك كلّه فإن مقتضيات الحكمة والعقلانية والحرص على مصلحة الأمة تتطلّب تدعيم هذه المنظمة والسعي إلى تعزيز دورها في توحيد الصفّ الإسلامي، والمبادرة إلى تعظيم إنجازاتها وتقدير دورها، وليس العمل على إضعافها وتفتيتها والنيل من الدور الذي تقوم به، تحت شعارات لا تقنع حتى من يتبنونها ويدعون إليها، فالمجال في هذا الإطار الإسلامي مفتوح لجميع الدول الأعضاء لتقديم طروحاتها ورؤاها واقتراح ما تراه مناسباً بشأن كل ما يتعلّق بعمل المنظمة، والحق مكفول للجميع في طلب عقد الاجتماعات على مختلف المستويات لمناقشة أي موضوعات من دون قيود أو شروط.
لا يمكن تفسير اجتماع قمّة كوالالمبور إلا في سياق واحد هو محاولة ضرب منظمة التعاون الإسلامي وإضعافها، والخروج على إجماع الدول الإسلامية لحاجات وأغراض في نفوس وعقول منظميها والمتحمسين والمروّجين لها ترتبط من دون أدنى شك بمآرب ومصالح سياسية وأجندات مخفية لا تهمّها مصلحة العمل الإسلامي ولا تعنيها وحدة الصف واجتماع الكلمة اللذان يشكّلان أساساً من أسس النهضة وعاملين لا يمكن تحقيقها من دونهما، وهو ما أكّده معالي الدكتور أنور محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، بقوله إن العالم الإسلامي لن ينهض بالاستقطاب والتفريق والتحزب، ولن يكون لأي تحرك في هذا الصدد أي معنى أو تأثير عندما لا تكون بلاد الحرمين الشريفين والأزهر الشريف حاضرة فيه.
الوصول بالأمة وقيادتها إلى برّ الأمان لا ينجح بغياب العرب فهم حملة الرسالة وهم مادة الإسلام الأولى وهم قطب الرحى في أي فعل أو مشروع إسلامي، وهم لم يكونوا يوماً إلا دعاة اجتماع ووحدة صف، وهو ما عبّر عنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حين شدد على أهمية العمل تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي لتحقيق وحدة الصف بين أعضائها، وعلى ضرورة أن يبقى أي جهد للتعاون بين أعضائها تحت مظلتها بما يحقق مصلحة الأمة ويفوّت الفرصة على من يحاولون زرع بذور الفتنة والفرقة بينها والساعين إلى تفتيت نسيجها لتحقيق أهداف سياسية ماكرة.
ليس من مصلحة الأمة عقد القمم واللقاءات خارج إطار مظلّتها الجامعة، فهو يشكّل خروجاً على الإجماع ومحاولة لشقّ الصف وضرب التضامن الإسلامي، لأن إضعاف منظمة التعاون الإسلامي إضعاف للإسلام والمسلمين ومساهمة في تهميش دورهم والحدّ من حضورهم في الهيئات والمنظمات والمنصات الدولية.
قمة كوالالمبور سابقة في تاريخ العمل الإسلامي المشترك، وخروجاً على حالة الإجماع التي كان يتسم بها، وطعنة في خاصرة الأمة، وليس أدلّ على ذلك كلّه من اعتذار زعماء معظم دول العالم الإسلامي عن حضورها وتراجع عدد من الزعماء الذين كانوا قد أعلنوا مشاركتهم فيها عن الحضور وتخفيض تمثيل بلادهم فيها بعدما اكتشفوا أنها كانت «تشق الصف ولا توحده».

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات