الافتتاحية: عودة إلى الحياة الطبيعية تتطلب الحذر واستمرار إجراءات الوقاية

  • 27 يونيو 2020

تحت ضغط الخسائر الهائلة، التي تكبَّدتها اقتصادات دول العالم من دون استثناء نتيجة الإغلاقات الشاملة والجزئية التي تمت في إطار الإجراءات الاحترازية والوقائية من فيروس كورونا المستجد، التي استمرت فترات غير مسبوقة وصلت في بعض الدول إلى أكثر من ثلاثة أشهر، كان لا بدَّ من إعادة فتح الأنشطة، والتخفيف من إجراءات الإغلاق؛ حتى لا يتدهور الاقتصاد العالمي أكثر؛ ولتجنُّب الدخول في حالة كساد وركود شديدين قد تكون نتائجهما أشد قسوة من المرض نفسه.
وبالنظر إلى شمولية التأثير، واتساع نطاق الضرر الذي تسبب به تحول «كوفيد-19» من مرض محدود الانتشار في الصين وبعض الدول الأوروبية إلى وباء عالمي عابر للحدود؛ فإنه يمكن القول إنه لم تسلم دولة في العالم، ولا قطاع اقتصادي، من تبعاته وظلاله الثقيلة؛ حيث تعطل الكثير من الأنشطة، وتراجعت الخدمات العامة إلى أدنى مستوياتها، وتوقفت حركة السياحة والطيران، وألغيت عشرات الملايين من الوظائف؛ ما يعني بالتبعية ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، واضطرت الحكومات إلى تحمُّل الكثير من هذه التبعات عبر إطلاق البرامج والحزم التحفيزية وتقديم الإعانات؛ وهو ما زاد من الأعباء الاقتصادية الملقاة على عاتقها، التي جعلت إطالة أمد الإغلاق مخاطرة قد تكون لها عواقب وخيمة.
وفي هذا الصدد تشير دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن أزمة كورونا ستؤدي إلى خسارة تراكمية بقيمة 12 تريليون دولار للاقتصاد العالمي على مدى عامين، وأن الركود العالمي الناجم عن تداعيات تدابير مكافحة كورونا سيكون هذا العام أشد ممَّا كان متوقَّعاً سابقاً، وأن نسبة الانكماش في إجمالي الناتج المحلي العالمي ستصل إلى 4.9%، في حين كانت التوقعات، خلال شهر إبريل الماضي، تقول إن هذه النسبة لن تتجاوز 3%، وإن الانتعاش المنتظَر في عام 2021 سيكون أقل مما كان متوقعاً سابقاً؛ فقد يبلغ النمو 5.4% مقابل 5.8% كانت متوقعة في السابق.
وأمام هذه الأوضاع أصبح العالم أمام حرب مزدوجة مفتوحة على جبهتين: الأولى هي مكافحة الجائحة ومحاصرتها واحتواء انتشار الفيروس، والسباق المحموم مع الزمن لإنتاج أدوية وعلاجات ناجعة تساعد المرضى على التعافي منه، والتوصل إلى لقاح آمن وفعَّال يقي من الإصابة به، وهما المهمتان الأكثر تعقيداً وحساسية في المعركة ضد المرض. والثانية هي إدامة الأنشطة الحياتية بحدودها المقبولة، واستدامة سلاسل التوريد، وتوفير السلع والخدمات للناس بأسعار مقبولة ومستويات تقلل، ما أمكن، تأثير هذه الظروف الاستثنائية في حياتهم؛ ما يضمن المحافظة على الأمن والاستقرار في المجتمعات، ويجنبها الانزلاق نحو الفوضى التي قد تنجم عن غياب الخدمات أو فقدان السلع الضرورية؛ ويضاف إلى ذلك كله ما تسببت به تدابير الحظر والإغلاق من ضغوط اجتماعية عانتها شعوب العالم، وانعكست على المزاج العام في الكثير من الدول، وأدت إلى ارتفاع في معدلات العزلة والخوف من المستقبل.
وبالرغم من جميع التداعيات التي نجمت عن إجراءات الوقاية؛ فإن نجاحها في احتواء الوباء، والحد من انتشاره، وتراجع أعداد الإصابات به والوفيات الناجمة عنه، هو الذي مهَّد الطريق لما يشهده العالم اليوم من رفع للقيود، وتخفيف لتدابير الحجر والإغلاق، وعودة تدريجية، وفي بعض الأحيان كاملة، إلى الحياة الطبيعية، وإعادة فتح للأنشطة الاقتصادية في مختلف القطاعات والمجالات؛ وهي أمور تتطلب من كل الدول ترشيداً وإدارة حصيفة وحكيمة؛ حتى لا تؤدي إلى نتائج عكسية تجهض وتهدر كل الجهود التي بُذِلت، خصوصاً أن العالم ما زال في مواجهة مع الفيروس الذي لم يندثر بعدُ، وما زال ينتشر في أكثر من مكان ودولة، وبوتائر عالية في بعض الدول.
مطلوبٌ من الأفراد والشعوب التفاعل مع توجيهات الحكومات، وأن يساندوا مساعيها إلى المحافظة على ما تحقق من تقدُّم؛ عبر سد الثغرات التي يمكن أن يعود من خلالها الفيروس إلى التفشي، وفي مقدمتها الحذر والمحافظة على الإجراءات التي تحد من انتقال العدوى، كالتباعد الاجتماعي، وتقليل التجمعات والحشود، والمواظبة على ارتداء الكمامات، وغسل الأيدي أو تعقيمها باستمرار؛ وذلك إلى أن يتم التوصل إلى لقاح يوقف هجوم هذا العدو الخفي، ويستأصل شأفته.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات