الافتتاحية: عام على وثيقة الأخوة الإنسانية.. منجزات متعددة وتطلعات طموحة

  • 5 فبراير 2020

تمر بنا هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، هذا الحدث الإنساني التاريخي الذي انطلق من أبوظبي ليحمل إلى العالم كلّه رسالة سلام ومحبة، وليكون بمنزلة كلمة سواء بين أتباع الديانات السماوية تجمعهم على الخير وتنير لهم الدروب نحو التآلف والتعاون والتلاقي على كل ما فيه خيرهم وصالحهم، وتشجعهم وأبناء البشرية جمعاء على نبذ الكراهية والتعصب وتجنب أسباب الشقاق والفرقة.
صدور الوثيقة التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، يوم الرابع من فبراير 2019 جاء في وقت يحتاج فيه العالم بشكل ملحّ إلى مبادرات حقيقية وجهد صادق وفاعل لكبح جماح التطرف الديني والفكري، الذي يهدد بضرب أسس وركائز العلاقات بين الأمم ويغذي فرضيات ونظريات صراع وصدام الحضارات، وتصويب العديد من المسارات التي انحرف بها أصحابها ودعاتها عن النهج القويم بعد أن عمدوا إلى تشويه الفطرة ونسف الفكرة الأصيلة التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها، واستبدلوها بأفكار ومعتقدات ضالة ومضلّة، فصّلوها على مقاس مصالحهم ووفقاً لما ترتئيه أهواؤهم وطموحاتهم.
من يتمعن الوثيقة بشكل جيد يلحظ فيها أبعاداً أخرى لا تقل أهمية عن البعد السياسي والفكري، ومن بينها البعد الروحي الذي تسعى إلى إعادة التوازن إليه بعد أن طغى عليه البعد المادي تحت ضغوط المصالح وحسابات الربح والخسارة على المستويين الفردي والجمعي، بحيث تعود له قيمته وفاعليته في بناء العلاقات وتنظيمها بين الناس، ثم البعد الاجتماعي الذي تعاني قيمه الأصيلة تراجعاً واضحاً نتيجة الهزات والطفرات التي نتجت عن الاستخدام الخاطئ للتطور التكنولوجي غير المسبوق الذي اجتاح العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، والذي يحتاج إلى وقفة مراجعة تعيد إليه اعتباره وأثره في ضبط السلوكيات المجتمعية.
لقد تضمنت وثيقة الأخوّة الإنسانية كل القيم النبيلة التي لا تريد بالإنسان إلا خيراً، والتي نصّت عليها الشرائع السماوية كافة، فحثت على إفشاء السلام واتخاذه منهجاً حياتياً وهدفاً لا حياد عنه، ودعت إلى إعلاء قيم التعارف والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وأكدت صون حق الإنسان في الحرية المسؤولة، سواء في العقيدة أو الفكر أو التعبير أو الممارسة، وأقرت التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة، ونادت بإقامة العدل المبني على الرحمة، وبالحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، وهي جميعاً مبادئ توفر للبشر كل مقومات الحياة الصالحة الكريمة وتضمن في حال الالتزام باتباعها تخليصهم من منغصات المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تفسد عليهم بهجة الحياة.
لم يكن غريباً أن تُكتب الوثيقة وتُوقَّع في أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن تنطلق منها إلى العالم كله لتشكل دعوة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين أبناء الجنس البشري تقوم على الحوار والبحث عن مساحات التلاقي في إطار القيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، ونشر الأخلاق والفضائل العليا التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم الذي يغذي نزعة العداوة ويدعم أسباب الخلاف، فالإمارات وطن وحدة واتحاد تأسس على قيم الخير والفضيلة التي غرسها المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتعهدتها القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بالرعاية، واستلهمها شعب الإمارات بطبيعته الخيّرة نهج حياة وسلوكاً يومياً في تعامله، حتى أصبحت أيقونة عالمية للانفتاح والتسامح وقبول الآخر واحترامه، وضربت باحتضانها جاليات تنتمي لنحو 200 جنسية من مختلف أرجاء المعمورة، أروع الأمثلة في التعايش بين الناس على اختلاف معتقداتهم ولغاتهم وأعراقهم، يعيشون جميعاً حالة تآلف عزّ مثيلها.
عام مرّ على وثيقة الأخوة تحققت فيه العديد من المنجزات على طريق تحقيق ما ترمي إليه، وما يزال هناك الكثير الذي لا بد من إنجازه لتحقيق الطموحات والتطلعات نحو تجسيد مبادئ الأخوة الإنسانية على أرض الواقع، وهو ما يتطلّب تضافر جهود الخيرين من المؤمنين بأهدافها حتى تتحول إلى دستور عالمي يجتمع حوله الناس على قلب رجل واحد.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات