الافتتاحية: طفح الكيل.. فهل من نهاية؟

  • 8 مارس 2020

يُظهر الهجوم الإرهابي الذي وقع أول من أمس، في العاصمة الأفغانية كابول، وأسفر عن مقتل وجرح عشرات الأشخاص، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، مدى الخطر الذي يشكله الإرهاب على الأمن والسلم الدوليين؛ وأن الخطر يقِف بالفعل حجر عثرة، بل وعقبة كؤود أمام الكثير من محاولات إحلال السلام والاستقرار في مناطق مختلفة من العالم، ومنها بالطبع أفغانستان التي تفاءل الملايين حول العالم بقرب انتهاء الصراع المسلح فيها، المستمر منذ ما يقرب من عقدين؛ بعد الاتفاق الذي وصِف بالتاريخي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان؛ ويؤمل أن يمهد الطريق لسلام دائم في البلاد. فما كاد حبر ذلك الاتفاق يجف؛ وينتهي الأفغان وغيرهم من «احتفالاتهم»- المحفوفة بالحذر والخوف- حتى وقع تفجير إرهابي هو الأول منذ توقيع اتفاق السلام قبل أيام في الدوحة؛ في رسالة واضحة موجهة للجميع، تشير إلى أن الإرهاب لا يقبل هذا الاتفاق؛ فما من شك أن الهدف من هذا التفجير، الذي أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عنه، ولقي إدانات دولية واسعة، هو نسف أي فرص لتحقيق السلام في هذا البلد الذي يعاني الحروب والصراعات المسلحة منذ ما يزيد على أربعة عقود؛ وقبل غزو الأمريكيين له وتسببهم في مآسٍ وكوارث غير مسبوقة فيه.
والحقيقة أن هدف هذا التنظيم، وبالطبع غيره من الجماعات الإرهابية، هو سفك الدماء والتدمير والقتل في كل مكان يستطيع الوصول إليه؛ فهجماته متواصلة ولا يبدو أنها ستتوقف، ما لم يتم التخلص من عناصره بشكل كلي وفي كل مكان، حيث يعمل على استغلال أي ظرف من أجل إظهار وجوده، وتنفيذ مخططاته الهدامة؛ فقبل هذا التفجير الفظيع بقليل، حدث هجوم إرهابي آخر استهدف العاصمة التونسية، وأسفر عن مقتل وجرح عدد من الأبرياء؛ وهو الأول أيضاً في تونس العاصمة منذ وقت؛ حيث تشهد البلاد، وبرغم الحراك السياسي الحاد، حالة من الاستقرار الأمني، وهناك آمال كبيرة في أن يتمكن هذا البلد العربي الشقيق من أن يجتاز التحديات التي تواجهه منذ إطاحة نظام «بن علي» في ثورة شعبية عارمة قبل أقل من عقد من الزمان؛ ولكن الإرهاب، للأسف، يقف بالمرصاد لهذه التجربة ولغيرها من التجارب الأخرى التي كان يؤمل أن تنقذ آمال الملايين من براثن الاستبداد والقهر والفقر، وإذا بها تجهضها؛ وتمكن الاستبداد، بدلاً من أن تكون عوناً عليه. وهكذا، فالإرهاب هو العدو الأول لآمال وطموحات الشعوب في التحرر، أو التغيير نحو الأفضل.
لا غرابة أن يكون المسؤول عن هاتين العمليتين، وعن معظم العمليات الجبانة في العديد من مناطق العالم، هو تنظيم داعش الإرهابي الذي لا يُخفي نواياه في التدمير، وإلحاق الأذى بالناس من دون أي اعتبار أخلاقي أو ديني أو إنساني؛ وكل ما يعمل عليه ويسعى إليه هو تقويض آمال الناس بالأمن والاستقرار، وتدمير الدولة الوطنية في أي بلد يستطيع أن يصل إليها أو يجد موطئ قدم فيها؛ وهو بالطبع يريد أن يقول للعالم من خلال هذه العمليات إنه وبرغم ما تعرض له من ضربات قاصمة، وهزائم متلاحقة، ما زال موجوداً؛ وكأن الأذى وقتل الناس الأبرياء من دون تمييز، تكليف يثابون عليه أو يؤجرون! فيا لها من خِسة أن يُستهدف الأبرياء ويُقتل الأطفال والنساء، غيلة وهم آمنون! قطعاً، لا يفعل ذلك إلا الجبناء!
لقد أصبح ما تقوم به الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، أمراً طبيعياً، أيْ متكرراً يحدث بين الحين والآخر؛ ويبدو في ظل هذا الواقع أن العالم قد تعود أو ألِفَ مثل هذه التفجيرات؛ ليس بالطبع قبولاً بها، ولكن يبدو كأنه عجز عن القضاء عليها؛ والحقيقة أن العالم، برغم كل ما يُقال، لم يُظهر بعدُ الجدية التي تستلزم موقفاً حازماً من الإرهاب؛ حيث ما زالت بعض الدول تغذيه بطريقة أو بأخرى، بل وبعضها يستخدمه، وحتى يدعمه، من أجل تنفيذ أجندات خاصة؛ وهذا هو في الواقع- بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة- ما يُضعف جهود مكافحة هذا الخطر، ويجعل التخلص منه كلياً أمراً غير ممكن.

Share