الافتتاحية: سلام السودان إنجاز يثلج الصدور

  • 5 سبتمبر 2020

دائماً وفي الظروف كافة التي مرّ بها السودان الشقيق، وقفت دولة الإمارات كعادتها إلى جانب هذا البلد العربي الذي عانى شعبه، على مدى عقود، ويلات الصراعات والحروب بين أبناء البلد الواحد التي استنزفت مقدراته وأهدرت ثرواته وأزهقت أرواح الكثيرين من أبنائه، وكل ذلك بلا طائل، لأن الجميع خاسر عندما يكون الصراع بين الأشقاء أياً كانت أسبابه، ومهما كانت مبرراته.

ولطالما نادت الإمارات بإحلال السلام في السودان، وناشدت الأطراف كافة المنخرطة في النزاع، الذي طال أمده وتوسع ليطال الكثير من ولايات ومحافظات البلاد، إعلاء المصلحة الوطنية، وجعلها البوصلة التي يهتدي بها الجميع، وتحكيم لغة العقل والحوار، وتجاوز المصالح الفئوية والجهوية والمناطقية في سبيل ترسيخ قيم الوحدة، وتحقيق الأمن والاستقرار الذي يشكل البوابة التي يمكن من خلالها العبور نحو عهد جديد يكون عنوانه التنمية والبناء والإعمار لتحقيق الازدهار والتقدم لجميع السودانيين على امتداد جغرافيا أرض النيلين.

نعم، لم تدخر دولة الإمارات وسعاً ولا إمكانيات في سبيل توفير الأسباب كافة التي تهيئ الأرضية المناسبة لنجاح مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، ووصولها إلى خواتيمها المأمولة التي تنسجم مع تطلعات الشعب وطموحاته في إنهاء حالة الانقسام والتشظي والغزوات العبثية والحرب التي لا رابح فيها ولا منتصر، ليتفرغ السودان كله من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه وبقواه السياسية والاجتماعية جميعها، وبكل ما حباه الله به من ثروات لمعركة من نوع آخر لا خسائر فيها ولا هزائم ولا جيوش إلا جيشاً واحداً ينصهر الجميع في بوتقته لتحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي، ودفع جهود التحول الديمقراطي والتنمية في البلاد.

وعندما تداعى المجتمع الدولي في شهر يونيو الماضي، للبحث في إمكانية مساعدة السودان، كانت دولة الإمارات سباقة في هذا المجال عندما التزمت مع المملكة العربية السعودية بتقديم 3 مليارات دولار أمريكي مناصفة بما في ذلك وديعة بقيمة 500 مليون دولار لدعم بنك السودان، وقدمت أيضاً 50 مليون دولار لدعم مبادرات النمو الاقتصادي، والمساهمة في خلق الوظائف، وتشجيع الاستثمارات النوعية التي تسهم في تعزيز سبل العيش، والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية في هذا البلد الشقيق.

هذه الجهود وهذا الحرص على تقديم أشكال الدعم كافة ليس وليد اللحظة، وهو لم يأتِ من فراغ، بل انطلق مما يرتبط به البلدان من علاقات تاريخية أخوية راسخة، وارتكز على التزام الإمارات التام بدعم المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها السودان، وحرصها المطلق على نجاحه في التحوّل إلى حقبة جديدة من تاريخه تسدل فيها الستارة بشكل نهائي على مرحلة اتسمت بالعزلة عن المجتمع الدولي وبإذكاء أسباب الاحتراب بين شركاء الأرض والدم والانتماء نتيجة ممارسات لم تكن المصلحة الوطنية ولا حياة السودانيين واردة ضمن حساباتها، ويعود عزيزاً كريماً ليلعب دوره المأمول على الساحتين العربية والدولية، وتنطلق فيها طاقات وإمكانات شعبه لتحقيق الرفاهية والرخاء اللذين يستحقهما.

ولا شكّ أن التقدير الكبير لمواقف الإمارات من قبل العديد من قادة الحركات السودانية، ومن بينهم رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي، ورئيس الجبهة الثورية السودانية الدكتور الهادي إدريس، هو أبلغ تعبير عن أن رسالتها في نشر السلام والاستقرار والعمل على إنهاء الحروب والصراعات وتعزيز التعايش والتسامح تؤتي أكلها ثمراً طيباً، وأوضح دليل على ما تكنّه الشعوب من محبة واحترام لقيادتها الرشيدة، وشعبها المعطاء، ونهجها الإنساني.

سعدت دولة الإمارات كثيراً بتوقيع الحكومة السودانية والحركات المسلحة بالأحرف الأولى على اتفاق السلام، وثمّنت جهود الحكومة الانتقالية السودانية في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، ودعت بقية أطراف النزاع إلى الانخراط في عملية السلام، لأنه إنجاز يثلج الصدور، ويؤكد أن الجهود التي بُذلت في هذا الصدد من الأطراف كافة كانت صادقة ومخلصة ولم تذهب سدى، وأن بالإمكان حل أي مشكلة مهما بدت صعبة ومستعصية من خلال الحوار الجادّ، والبناء الذي يسعى أطرافه بأمانة وتجرد إلى جسر الفجوات وتقريب المسافات، ويحرصون على تحجيم نقاط الاختلاف وتعظيم نقاط الاتفاق، ويضعون نصب أعينهم مصالح الأوطان والشعوب، ويحرصون على التطلع نحو المستقبل من دون التفات إلى إخفاقات الماضي التي تجاوزها الزمن.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات