الافتتاحية: رسالة إماراتية واضحة برفض التجاوزات الإسرائيلية

  • 3 يونيو 2020

على الرغم من كل المواقف والمبادرات العربية الهادفة للتوصل إلى تسوية مقبولة ومرضية للقضية الفلسطينية تحدُّ من حالة التوجس والريبة القائمة بين العرب وإسرائيل، وتفتح المجال أمام نهج جديد في العلاقات بين دول المنطقة يقوم على التعاون في سبيل ازدهارها وتطورها وتحقيق التنمية التي تنشدها شعوبها وتتطلع إليها، إلا أن الطرف الإسرائيلي يحرص دائماً على إدارة ظهره لكل الجهود التي تبذل في هذا السياق ويصر على الاستمرار في الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني وإجهاض أي محاولات لإنصافه ولو كانت في حدها الأدنى.
وبنظرة تاريخية مبسطة وسريعة إلى مسار القضية الفلسطينية ودون خوض في التفاصيل والحيثيات، يمكن لأي مهتم أو متابع أن يلمس حجم التنازلات التي قدّمها العرب على مدار السبعين عاماً الماضية منذ نشوء دولة الاحتلال وحتى اليوم، إذ كان الموقف العربي في البدايات يجمع على أن فلسطين كاملة، من البحر إلى النهر، أرض عربية وأنها حق فلسطيني خالص غير قابل للتفاوض أو التنازل وفي هذا الصدد نستذكر مؤتمر الخرطوم عام 1967 الذي أصدر اللاءات الثلاث الشهيرة وهي (لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض) قبل أن يعود الحق إلى أصحابه، ليتحوّل بعد ذلك إلى القبول بقرارات التقسيم وبما تلاه من قرارات، وصولاً إلى مؤتمر مدريد والمبادرة العربية للسلام التي صدرت عن قمة بيروت عام 2002 وقامت على أساس اعتراف عربي بإسرائيل وتطبيع للعلاقات معها مقابل إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
وعلى الطرف الآخر، فإن السمة الأبرز للسياسة الإسرائيلية تجاه الحق الفلسطيني بشكل خاص، وتجاه كل المبادرات والتنازلات العربية بشكل عام، هي التنكر وإدارة الظهر ومحاولة كسب الوقت واستغلال الأحداث والظروف الإقليمية والدولية لفرض الأمر الواقع، والاستمرار في قضم الأراضي الفلسطينية قطعة بعد أخرى وتهويدها وبناء المستوطنات عليها، والمراوغة والسعي بكل الوسائل إلى تضليل المجتمع الدولي، وهو ما أدخل مسار التسوية كلّه في نفق بلا نهاية وبدّد آمال أكثر الناس تفاؤلاً بالتوصل إلى تسوية تنهي الصراع الدائر في هذه المنطقة الذي استنزف الكثير من مقدراتها وحرم شعوبها من الكثير مما كانت تحلم به.
التطرف والصلف والعنجهية والأطماع الإسرائيلية بلغت ذروتها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للتسوية في المنطقة، المسماة «صفقة القرن»، التي قزمت فكرة الوطن الفلسطيني من دولة ذات حدود ومعالم واضحة إلى مجموعة من الكانتونات المقطعة الأوصال ومحاصرة من جميع الاتجاهات بالمستوطنات والمعسكرات الإسرائيلية المتأهبة للانقضاض عليها في أي لحظة، حيث تجلى هذا الصلف والعنجهية في إعلان حكومة اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو وحلفائه، نيتها ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن إلى السيادة الإسرائيلية والضرب بعرض الحائط كل المواثيق والأعراف الدولية والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعدم الاكتراث بمواقف دول المنطقة والعالم الرافضة لهذه الإجراءات التي تنتهك القانون الدولي وتنسف الاتفاقات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وتقضي بشكل تام على خيار حل الدولتين.
لقد جاء موقف دولة الإمارات تجاه الأطماع والتجاوزات الإسرائيلية واضحاً لا لبس فيه وداعماً، كما هو دائماً، للحقوق الفلسطينية وللإجماع العربي ومنسجماً مع المواقف الدولية العادلة والنزيهة، وهو مطالبة إسرائيل بالكف عن التهديدات بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، والتأكيد أن أي تحرك أحادي الجانب في هذا المجال سيؤدي إلى انتكاسة خطيرة لعملية السلام، وسيقوض حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وسيشكل رفضاً للإجماع الدولي والعربي بشأن الاستقرار والسلام، وهو موقف ينطلق من قناعة راسخة بحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتنازل في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشرقية.
الموقف الإماراتي هو بمثابة رسالة واضحة لإسرائيل بأن العرب لن يستمروا في تقديم التنازلات المجانية، وأن عليها أن تقابل الخطوة بخطوة حتى لا تواجه رد فعل عربياً قد يعيدها في حال إصرارها على الذهاب بعيداً في مخططاتها، إلى حظيرة المقاطعة والعزلة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات