الافتتاحية: دولة الإمارات وترسيخ ثقافة السلام

  • 23 أغسطس 2020

تبذل دولة الإمارات العربية المتحدة مساعي مستمرة من أجل ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره، وتستغل مكانتها الدولية والاحترام الذي تتمتع به من أجل تجنيب شعوب المنطقة والعالم ويلات الحروب والمواجهات والصراعات التي تخلف وراءها مآسي إنسانية طويلة الأجل وثقيلة الوطأة، حيث تحصد الأرواح وتنشر الدمار وتحرم مئات الملايين من البشر من أي فرصة للحياة الكريمة، وتتركهم عرضة للجوع والفقر والأمراض والجهل.

وتتسق معاهدة السلام الأخيرة مع إسرائيل مع ثوابت دولة الإمارات الداعية إلى المصالحة وتقريب وجهات النظر، ولا تخرج عن السياق الذي تحركت فيه الدولة على الدوام، والمواقف التي عبَّرت عنها في محافل دولية عدة. ويمكن أن نجد مثالاً على ذلك في بيان للدولة في 18 نوفمبر 2019، خلال مناقشة مفتوحة بمجلس الأمن الدولي حول «بناء السلام»، جاء فيه أن «عمليات الوساطة والمصالحة تعد السبيل الأمثل لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى تسويات سياسية تتسق مع القوانين الدولية وتحقق التطلعات المشروعة للشعوب، وخاصة تلك التي تنبذ الطائفية والتبعية وتبحث عن الدولة الوطنية القوية والعادلة».

وتأتي معاهدة السلام بين دولة الإمارات وإسرائيل من موقع القوي الذي لا يخضع في إبرامها لأي نوع من الضغوط، ومن موقع النجاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقدرة على دحر أي تهديدات، لذا فإن السلام الذي تسعى إليه دولة الإمارات إنما هو لتحقيق مصالح كل الأطراف، وإيجاد سبيل للوصول إلى حلول مقبولة لصراع مرير امتد طويلاً، وحرم الشعوب العربية، والشعب الفلسطيني بشكل خاص، من فرص سانحة لتحقيق الحياة الكريمة.

ويُعلِّمنا التاريخ الإنساني أنه لا يوجد حرب تدوم إلى الأبد، ولا حرب تُخاض من أجل الحرب في ذاتها، وإلا أصبحت عبثاً. وفي كل صراعات التاريخ الإنساني كانت هناك حاجة إلى أن يتحلى طرفا الصراع أو أحدهما بالشجاعة في لحظة معينة ويقول «كفى»، ليبدأ عهد جديد. وإذا كانت الصراعات من التعقيد والتداخل والمرارة بحيث لا يجرؤ أحد أطراف الصراع على ذلك، تكون الحاجة ملحة إلى طرف ثالث يمتلك من البصيرة والشجاعة والمسؤولية التاريخية والنبل ما يجعله يتقدم ليغير المشهد، ويعيد صياغة المعادلة بحيث تتحول إلى البحث عن تحقيق المكاسب للجميع.

لقد اختار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، أن يتصدى لهذه المسؤولية بكل ما تنطوي عليه من أعباء، مُدركاً وعورة الطريق وأشواكها الحادة، لكن القادة العظام في التاريخ الإنساني واجهوا دائماً مثل هذا الاختيار، وأقدموا على خوض التحدي الصعب لتحقيق الهدف الأسمى، وهو فتح الطريق أمام الشعوب لتستفيد من ثمار السلام. ومعاهدة السلام بين دولة الإمارات وإسرائيل هي الطريق إلى إيقاف التدهور في وضع الفلسطينيين وقضيتهم، وخاصة مع تشرذم مواقفهم وتفرق كلمتهم بين فصائل سياسية متناحرة، وافتقارهم إلى أي ورقة تقوي موقفهم التفاوضي. ودخول دولة الإمارات على الخط يعني أن الفلسطينيين كسبوا نصيراً قوياً قادراً على التأثير والضغط على الطرف الإسرائيلي.

إن دور دولة الإمارات في صنع السلام وترسيخ ثقافته ليس نبتاً طارئاً، فمنذ قيام الدولة كان المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هو الأسبق إلى احتواء الخلافات والصراعات وحلها بحكمته. وقد تواصل هذا النهج بعد رحيل الوالد المؤسس، حيث احتضنت العاصمة الإماراتية أبوظبي في يوليو 2018 مصالحة بين إثيوبيا وإريتريا بعد نزاع استمر عشرين عاماً، برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله. وفي فبراير 2019 كانت عاصمة السلام تحقق نصراً صنعته القيادة الرشيدة بتوقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» التي وقعها فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان، لتفتح عهداً جديداً من التقارب الديني والإنساني. كما ظلت المساعدات إلى كل دول العالم تنطلق من دولة الإمارات، حاملة رسالة المحبة والسلام.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات