الافتتاحية: دعوة الإمارات لعودة الدور العربي في سوريا دفاع عن الأمن القومي

  • 22 فبراير 2020

مما يؤسف له أن الدور العربي في معظم، إن لم يكن جلّ، المشاكل التي اجتاحت الدول العربية في إطار ما سمي «الربيع العربي»، إما غائب تماماً أو يعاني ضعفاً شديداً وبالتالي انعدام القدرة على الفعل المؤثر في مسيرة الأحداث وتطوراتها على أرض الواقع، وهي حالة أحدثت بلا شك شرخاً في جدار الأمن القومي وتسببت في ظهور تحديات جديدة تهدد السلم في المنطقة كلها من ناحية، وأضعفت التعاون والتضامن والتكامل العربي من ناحية أخرى.
الحالة السورية تشكل المثال الأوضح على هذا الغياب الذي ترك فراغاً كبيراً ومؤثراً في ساحة الأحداث وأفسح المجال لقوى خارجية للتدخل في سوريا لا لمصلحة شعبها أو نظامها، بل لأطماع ونزعات ذاتية في مقدمتها أحلام التوسع والنفوذ وأوهام بناء الإمبراطورية وإعادة الأمجاد الغابرة، فكان أن استباحت إيران الساعية إلى تصدير ثورتها إلى الدول العربية، الأرض السورية بميليشياتها الطائفية القادمة من وراء الحدود وعاثت فيها تقتيلاً وتهجيراً، وأوجدت تركيا الطامحة لإعادة استنساخ تجربة الدولة العثمانية مواطئ قدم لها في العديد من مناطق شمال سوريا لتطلق مشروعها من هناك نحو الدول العربية الأخرى.
قرار جامعة الدول العربية الذي اتخذ في 12 نوفمبر 2011 أي بعد اندلاع الأحداث المؤسفة في سوريا بفترة قصيرة بتعليق مشاركة الدولة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، وسحب السفراء العرب من دمشق، وتوقيع عقوبات اقتصادية وسياسية ضد الحكومة السورية، شكّل بداية الانسحاب والغياب العربي من ساحة عربية مضطربة لها أهميتها ووزنها المؤثر في ملفات العمل العربي المشترك كافة، الأمر الذي كان يعني بلا شك أن المزيد من التدهور والانفلات فيها سينعكس على الأمة كلها وسيجر عليها مشاكل وأزمات جديدة كان يمكن تجنبها ومنعها لو حرص العرب على أداء دورهم في هذا الملف وبادروا إلى التعامل معه بطريقة أقلّ حدة، وعمدوا إلى التوسط لحلّ المشكلة قبل تفاقمها وبأقل قدر ممكن من الخسائر.
قبل نحو عام من الآن أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، ضرورة عودة الدور العربي في سوريا، ورغبة دولة الإمارات في أن يكون هناك دور لسوريا على المستوى العربي، مضيفاً خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الروسي: «إننا أمام تطور نشهده، بزيادة النفوذ التركي والإيراني، وغياب الدور العربي، ونعتقد أن هذا الغياب غير مطلوب». ويوم الأربعاء الماضي، جدد معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية هذا الموقف لمواجهة تحديات الأمن القومي خصوصاً في ظل ما يحدث على الأرض هناك من صراع مصالح يطال البشر والأرض، تخوضه الدول وكأن العالم العربي مشاع، أو فضاء لطموحها ولامتدادها الاستراتيجي، وهو ما يوضح أبعاد غياب الدور العربي، الذي لا بدّ من عودته لمواجهة تحديات ملحة.
تأكيدات الدكتور قرقاش تستلهم موقف دولة الإمارات التي تنبهت مبكراً إلى خطورة إخلاء الساحة السورية من الوجود العربي وما قد يتسبب به من تبعات تقود نحو مزيد من الخلافات والتفتت في العلاقات العربية، وتدفع بهذا البلد العربي إلى أحضان قوى إقليمية تتحين الفرص بلهفة لدس أنفها في كل صغيرة وكبيرة بنوايا خبيثة وتحت ستار ذرائع وحجج خادعة، فكانت من أوائل الدول العربية التي أعلنت عودة العمل بسفارتها في دمشق منذ ديسمبر 2018 ومباشرة دبلوماسييها مهام عملهم هناك، مؤكّدة حرصها على إعادة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مسارها الطبيعي بما يعزز ويفعل الدور العربي في دعم استقلال وسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية ودرء مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن العربي السوري.
حرص دولة الإمارات على الأمن القومي العربي لا حدود له، ومن هنا تنطلق في دعوتها إلى عدم ترك سوريا فريسة الأطماع الإقليمية حتى لا تتحول إلى دولة فاشلة ومرتع للإرهاب.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات