الافتتاحية: دعم لبنان كدولة يتطلب منها استعادة سيادتها الداخلية

في معايير السياسة يعتبر مفهوم السيادة مبدأ لا يقبل المساومة أو التفاوض أو التجزئة، فهو يعبّر عن قدرة الدولة على ممارسة سلطتها على كامل ترابها ويضمن لها السيطرة الكاملة على شؤونها كافة وتطبيق دستورها وقوانينها النافذة على الكيانات والأفراد الذين ينتمون إليها، ودون أن يكون هناك شخص حقيقي أو معنوي خارج إطار سلطة القانون أو فوقها، وهو واحد من الضمانات التي لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق العدالة والحكم الرشيد اللذين يضمنان انخراط قوى المجتمع كافة وانصهارها في بوتقة واحدة، بصرف النظر عن برامجها وقناعاتها السياسية والفئوية.
وأي خلل أو تهاون أو تنازل في ممارسة السيادة يشكل الخطوة الأولى على طريق تحول الدول إلى فاسدة، ثم فاشلة، لأنه يفتح المجال لتغوّل فئات أو كيانات أو أفراد على النظام والمجتمع، ويعرّض القوانين للعبث والازدواجية في التطبيق والتنفيذ، وقد يتجاوز ذلك إلى تعطيلها وتهميش دورها، ويؤسس البيئة المواتية لنشوء ما يعرف بـ «دولة داخل الدولة»، ومن ثم انتشار شريعة الغاب وعودة مبدأ «البقاء للأقوى»، وبالتالي التخلف عن ركب الحضارة والعزلة عن العالم الذي تلعب الدولة الوطنية الدور المحوري في صياغة أنظمته وعلاقاته، وفشل أي مسعى لتحقيق التنمية والازدهار بالنظر إلى ما يتسبب به من تشتيت للجهود وتفتيت للبنية المجتمعية، وإضعاف لمقومات وعناصر الولاء والانتماء وإجهاض للمشاعر الوطنية برمتها تحت ضغط الشعور بالظلم وعدم القدرة على نيل الحقوق الذي يدفع إلى الإحباط والاحتقان، وبالتالي النكوص عن أداء الواجبات.
من هذا المنطلق تعمل دول العالم المتحضرة وتلك التي تسير على درب التقدم والتطور، على تفعيل القوانين وتعزيز العمل المؤسسي، وتسعى بشكل حثيث إلى إضعاف، ومن ثم إلغاء المفاهيم والمنظومات التي قد تتعارض مع هذا النهج أو تعيقه، وتبذل جهوداً كبيرة لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص وتشجع أبناء المجتمع على المشاركة في الحياة السياسية، وفقاً لما يناسب كل دولة من أنظمة وأساليب، لأن ذلك يشكّل ميزة مهمة لها في بناء علاقاتها مع الآخرين وإكسابها ثقة المجتمع الدولي ومنظماته، ويفتح لها المجال واسعاً للاستفادة من تلك العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، ومن البرامج والمشاريع والمساعدات في الظروف الطبيعية والاستثنائية.
لقد أعادت المأساة التي يعيشها لبنان نتيجة الانفجار المدمّر الذي وقع في مرفأ بيروت يوم الرابع من أغسطس الجاري، إلى الواجهة مسألة سيادة الدولة اللبنانية التي باتت على المحك، نتيجة ممارسات حزب الله وتجاوزاته التي لا حصر لها على الدستور والقوانين والأنظمة، وجرائمه العابرة للحدود، وهو أمر أضعف الحماس الدولي لتقديم المساعدات التي تخفف من وطأة الكارثة على الشعب اللبناني برغم التعاطف الذي لا حدود له معه، ذلك أنّ دول العالم باتت تشعر بالريبة إزاء تعاطي الدولة اللبنانية مع هذا التنظيم، وتخشى أن يذهب ما تقدمه من مساعدات إلى غير مستحقيه وأن يتم استخدامه لتدعيم نفوذ الحزب وتعزيز قدرته على اختطاف الوطن اللبناني بكل مكوناته ومواصلة إغراقه في غياهب المجهول.
من هذا المنطلق جاء خطاب دولة الإمارات في مؤتمر المانحين المخصص لمساعدة الشعب اللبناني الذي نظمته الحكومة الفرنسية، واضحاً لا لبس فيه ولا مواربة، ووضع النقاط على الحروف التي ظلت لفترة زمنية طويلة رهينة للضبابية والتراخي في المواقف الدولية، عندما أكد أن دعم لبنان كدولة وخروجه من أزمته الراهنة وآثارها يتطلب منها استعادة سيادتها الداخلية وإنهاء سيطرة الميليشيا الحزبية على منافذ البلد ومرافئه ومطاراته، بحيث تصبح إدارتها والإشراف عليها والتحكم فيها حكومية خالصة وبلا تهديد أو منازعة، وتفعيل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الهادف إلى نزع الأسلحة، لتكون محصورة في يد القوات المسلحة اللبنانية، لأنه من دون ذلك ستظل الفوضى سيدة الموقف ولن يتمكن محبو لبنان من مدّ أيديهم لانتشاله من محنته.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات