الافتتاحية: درس جائحة «كورونا» الأهم

  • 28 ديسمبر 2020

تنطوي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) على العديد من الدروس والعبر التي ينبغي على دول العالم كافة الانتباه لها بشكل تام واستيعابها جيدًا من أجل مواجهة أي أوبئة أو أزمات صحية عالمية مقبلة، قد يعاني منها العالم بشكل أكبر، وهو ما يتوقعه كثير من العلماء والباحثين والمنظمات المعنية بالقطاع الصحي، الذين يؤكدون أن هذه الجائحة لن تكون الأخيرة من نوعها، وربما يدعم هذا الاحتمال، تحوّر فيروس (كوفيد-19) وظهور سلالات جديدة منه، في الوقت الذي سابقت فيه مراكز البحوث الزمن وما زالت تسابقه من أجل الوصول إلى لقاح لهذا الفيروس الفتاك.

وقد حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس أمس الأحد من أن جائحة (كوفيد-19) لن تكون آخر أزمة من نوعها. وقال جيبريسوس بمناسبة اليوم الدولي الأول للتأهب للأوبئة: «يخبرنا التاريخ أن هذه لن تكون آخر جائحة وأن الأوبئة هي حقيقة من حقائق الحياة». وبالفعل، فإن تاريخ الأمراض والأوبئة، يثبت أن العالم يعاني كل فترة زمنية وباء أو جائحة أو أزمة صحية واسعة النطاق. وقد جاءت جائحة (كوفيد-19) بعد نحو قرن من جائحة خطيرة اجتاحت العالم قبل نحو قرن من الزمان، تتمثل في الإنفلونزا الإسبانية، التي راح ضحيتها الملايين من البشر، وبين الجائحتين عانى العالم أوبئة عدة، فقد تفشت موجة وبائية في عام 1957، أُطلق عليها «الإنفلونزا الآسيوية»، وبعدها موجة «إنفلونزا هونغ كونغ» في عام 1968. وبعد أربعين عامًا، كانت هناك «إنفلونزا الخنازير» في عام 2009.

والحاصل أنه إذا كانت جائحة (كوفيد-19) قد أخذت العالم على حين غرة، فإن ما قد تواجهه دول العالم من أزمات مماثلة في المستقبل يجب ألا يفاجئ أحدًا، بمعنى أن دول العالم المختلفة يجب أن تكون على أهبة الاستعداد لمواجهة هذه الأزمات حال وقوعها بكل حسم وفاعلية حتى لا نعاني ما نعانيه حاليًّا تحت وطأة جائحة كورونا، التي تمخضت عن الكثير من التأثيرات السلبية التي طالت دول العالم جميعًا، شرقه وغربه، شماله وجنوبه.

وثمة الكثير من الشروط والمتطلبات الأساسية حتى يكون العالم قادرًا على مواجهة أي أوبئة أو أزمات صحية مستقبلية، تتمحور حول دعم الاستثمارات الخاصة بقطاع الصحة العامة حتى يظل العالم آمنًا ويدعم نمط حياة أكثر استدامةً، وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن نتعلمه من جائحة (كوفيد-19)، وهو ما أكده المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الذي قال إن العمل بشكل أفضل في الاستثمار بالصحة العامة بدعم من الحكومات والمجتمع يمكن أن «يضمن أن أطفالنا وأطفالهم يرثون عالمًا أكثر أمنًا ومرونةً واستدامةً».

ويعني الاستثمار في قطاعات الصحة العامة على المستوى العالمي الأهمية الحاسمة لتطوير البنى التحتية للقطاع الطبي في دول العالم المختلفة، وقد بدأت كثير من دول العالم بالفعل، في عمليات تطوير جذرية لقطاعاتها الصحية، ولكن هذا الأمر يعني بالضرورة دعم الدول الفقيرة والنامية التي لا تمتلك الموارد البشرية والمادية الكافية لتطوير قطاعاتها الصحية، والأهم في هذا المجال ضرورة قيام الحكومات في كل دول العالم والتزامها بتطوير مراكز البحوث العلمية من خلال توفير ما يلزمها من موارد مالية وبشرية، حيث إن العلم هو السلاح النافذ الذي سيواجه به العالم ما قد يتعرض له من أوبئة ومخاطر صحية.

ويبقى التعاون الدولي الفاعل والممنهج شرطًا جوهريًّا لتعزيز قدرة دول العالم كافة على مواجهة أي جوائح مستقبلية، وهو ما أكدته بشدة جائحة «كوفيد-19» أكثر من أي أزمة صحية أخرى عاناها العالم في مراحل تاريخية سابقة، حيث إن العالم بات بالفعل قرية صغيرة، تنتقل فيه الأوبئة من منطقة إلى أخرى بشكل سريع، مع استمرار طغيان ظاهرة العولمة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات