الافتتاحية: خطورة توظيف النصوص الدينية لدفع الشباب نحو العنف

  • 16 يناير 2021

يمثل توظيف النصوص الدينية بشكل مغرض الأداة الرئيسية التي تقوم بها الجماعات المتطرفة لدفع الشباب نحو العنف، وهذه قضية غاية في الخطورة من زوايا عدة: أولها، أنه يضلِّل الشباب ويشكل لديهم وعيًا دينيًّا مغلوطًا ومشوهًا ويحرم المجتمعات من طاقاتهم، بل هذا التوظيف الرديء يحوِّلهم إلى أداة هدم وتدمير. وثانيها، أنه يروِّج لتفسيرات خاطئة ومزيفة للنصوص الدينية على نحو يقدِّم ويكرِّس فهمًا غير صحيح لمقاصدها ودلالاتها وأهدافها السامية. وثالثها، أنه ينال من قدسية النصوص الدينية، التي لا يجوز بأي حال من الأحوال تفسيرها وفقًا لأهواء شخصية، لتحقيق أهداف ومآرب بعينها.

ومن هذا المنطلق، فقد دعا المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة مؤخرًا، المجامع الفقهية، والمراجع الدينية، والهيئات التشريعية أن تسارع إلى تجريم خطاب الكراهية، وازدراء الأديان والمعتقدات، والتحريض عليها؛ من خلال خطاب تكفير الآخر، ونزع الشرعية عن وجود أتباعه. وقد جاءت دعوة المجلس في توقيت مهم، في ظل رصد بدايات موجة جديدة من توظيف النصوص الدينية لدفع الشباب نحو العنف والإرهاب؛ شبيهة بتلك الموجة التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي ساد فيها خطاب ديني يستظهر بالنصوص الدينية لتحقيق أهداف سياسية، موظِّفًا مفاهيم الولاء والبراء بشكل خاطئ ومنحرف؛ ما أدى الى ظهور جيل من الشباب انخرط في العنف.

وتحظى هذه الدعوة التي قام بها المجلس بأهمية كبيرة نظرًا لمكانته ولما يقوم به من دور مهم لخدمة العالم الإسلامي والمجتمعات المسلمة في أنحاء العالم كافة، حيث إنه يعدُّ بمنزلة بيت خبرة لترشيد عمل المنظمات والجمعيات العاملة في المجتمعات المسلمة، وتجديد فكرها من أجل إدماجها بشكل فاعل على نحو يحقق لأعضائها المواطنة الكاملة مع ضمان الالتزام بقواعد الدين الإسلامي، من خلال سعي المجلس لتحقيق حزمة من الأهداف الحيوية، منها تعزيز التنسيق بين المؤسسات الناشطة في المجتمعات المسلمة في بلدانها، وتبادل الخبرات فيما بينها، والتنسيق بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية لخدمة رسالتها، وتأصيل خطاب ديني يساعد على تمكين الأفراد في المجتمعات المسلمة من التوفيق بين مقتضيات الانتساب إلى الدين وواجبات الانتماء إلى الوطن، وتحصين المجتمعات المسلمة في بلدانها من خطر الفكر الديني المتطرف.

وتحظى قضية مكافحة التطرف بأهمية كبيرة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة يتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقرًّا له، وقد انبثق في الأصل عن المؤتمر العالمي للأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة، الذي استضافته أبوظبي في مايو 2018، وتبنّت الدولة فكرة تأسيس المجلس بعد رسائل طالبت بكيان عالمي، يصحِّح الصورة النمطية عن الإسلام، وليكون مظلة تجمع الأقليات المسلمة، ومنصة دائمة للتباحث حول التحديات التي تواجهها.

ولكن تأسيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة سبقته منذ سنوات طويلة جهود كبيرة بذلتها الدولة لمكافحة التطرف والكراهية، وخلال العقد المنصرم، طرحت الدولة العديد من المبادرات وأصدرت العديد من القوانين الهادفة إلى تكريس قيم التسامح والتعايش السلمي والقبول بالآخر، وهنا تجدر الإشارة إلى المرسوم بقانون رقم (2) لسنة 2015 الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بشأن مكافحة التمييز والكراهية الذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها ومكافحة كافة أشكال التمييز ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير، وعلى الصعيد الدولي تجدر الإشارة إلى «وثيقة الإخوة الإنسانية» التي صدرت من أبوظبي في ختام اللقاء التاريخي الذي جمع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية في فبراير 2019، التي تمثل منهجًا متكاملًا لإنهاء الأزمات التي تجتاح العالم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات