الافتتاحية.. حلف الفضول دستور جديد للعلاقات بين أتباع الديانات

  • 12 ديسمبر 2019

تؤكّد دولة الإمارات العربية المتحدة في كل يوم، أنها أصبحت مركزاً عالمياً للإشعاع الفكري والفعل الحضاري والنشاط الإنساني الساعي إلى خير البشرية جمعاء، عبر تعزيز أواصر الإخاء بين الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم ومعتقداتهم ونبذ نزعات العنصرية والتطرف والتفرقة بينهم، وذلك في إطار نهج ثابت دأبت الدولة على ترسيخه منذ قيامها يرتكز على مبادئ وقيم سامية تعلي من شأن الإنسان وتسعى إلى تحقيق الهدف من استخلافه في الأرض، وهو عمارتها وتحقيق مراد الله تعالى فيها.
ولا يكاد يمرّ يوم إلا وتنطلق فيه من هذه الأرض الطيّبة، مبادرة جديدة للتقريب بين الإخوة في الإنسانية ونشر قيم السلام والتسامح والعيش المشترك، وإفشاء المودّة باعتبارها حاجات ملحة للبشرية جمعاء، حتى باتت محط الأنظار ومقصد المفكّرين والعلماء والفقهاء وصنّاع القرار الباحثين عن مساحات التعارف والتلاقي والحوار، والساعين إلى الانفتاح على الآخر والتقارب معه.
من أبوظبي عاصمة الاعتدال والوسطيّة التي تجمع ولا تفرّق وتوحّد ولا تشتت، انطلق، أول أمس الثلاثاء، حلف الفضول الجديد في إنجاز يسجّله التاريخ بأحرف من نور، وهو الذي يهدف إلى دعم وتعزيز جهود حفظ حقوق الإنسان وكرامته سواء على صعيد الفرد أو الجماعة والانتقال بالبشرية جمعاء، نحو إنهاء الخطاب القائم على الصراع الديني أو العرقي، وتشكيل حلف قوي للدفاع عن السلم والسلام في العالم.
الميثاق الذي استلهم حلف الفضول التاريخي الذي يشكّل مفخرة للعرب قبل مجيء الإسلام والذي تعاهدت فيه قبائل مكّة على نصرة المظلوم، سواء كان من أهلها أو من الوافدين عليها، ونبذ العنف والظلم وتحقيق المساواة حتى تُرد على المظلوم مظلمته، جاء كواحد من إنجازات الملتقى السادس لـ «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، وما يميّزه هو نوعيّة وعدد المشاركين فيه الذين ينوف عددهم على ألف شخصيّة من القادة والزعماء الدينيين، والمسؤولين الحكوميين، وممثلي ديانات العائلة الإبراهيمية، ورجال الفكر والإعلام، وهو ما يضفي عليه بعداً عالمياً ويبشّر بجعله وثيقة تبنى على أساسها العلاقات بين شعوب العالم أجمع.
هو دستور إنساني جديد سيغير شكل العلاقات ويطفئ نظرة السلبية والريبة بين أتباع الديانات المختلفة في حال تبنيه وتفعيل العمل به، لأنه يقوم على «ضرورة احترام مبدأ الكرامة الإنسانية، على اعتبار أن الناس وإن اختلفت أديانهم وألسنتهم وألوانهم وأعراقهم فقد كرمهم الخالق»، ومبدأ حرية الاختيار وحرية ممارسة الدين ومبدأ التسامح ومبدأ العدالة ومبدأ السلم ومبدأ الرحمة ومبدأ البرّ بالآخرين ومبدأ الوفاء بالعهود والمواثيق والتضامن، وكلها مبادئ وقيم كفيلة بإرضاء كل نفس سويّة وعقل سليم، وهو ما يضع على عاتق القادة الدينيين والاجتماعيين وقادة الرأي وأهل الفكر مسؤولية الإسهام في نشر السكينة وبناء السلم، من خلال التنسيق بين معتنقي أديان العائلة الإبراهيمية وبين أتباع الديانات الأخرى من العائلة الإنسانية، والتصدي للتطرف والفكر العنيف وخطابات التحريض والكراهية، وانتهاج مقاربة تصالحية في كل دين لترسيخ التسامح بشتى أبعاده.
ترسّخ الإمارات في كلّ يوم، ما تأسست عليه من القيم الإنسانية النبيلة، وتعزز النهج الذي اختطه لها مؤسسها المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك بفطرته السليمة ونفسه المحبة للخير ورؤيته الثاقبة التي استشرفت المستقبل بأبهى صوره، أنّ من أهم دعائم استقرار الدول وتطورها وازدهارها تبني منهج الوسطية والاعتدال والبعد عن الغلو والتطرّف ونبذ النعرات العنصرية والطائفية والعرقيّة والتفاعل الإيجابي مع حضارات العالم ودوله وشعوبه لما فيه صالح الإنسانية وخيرها، وهو ما تعززه القيادة الرشيدة بتبنيها نهج التسامح وقبول الآخر كمبدأ تقوم عليه العلاقات السويّة بين أبناء الجنس البشري، وكركيزة لتحقيق التطوّر والازدهار في شتى مجالات الحياة.

Share