الافتتاحية: حكمة إماراتية تصوغ معادلة جديدة لحياة البشرية

  • 12 أبريل 2020

الحكمة التي تجلّت في تغريدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والتي قارن فيها سموه بين الصحة والسياسة والاقتصاد، تنمّ عن عمق إدراك ونفاذ بصيرة لقيادة دولة الإمارات وتقدير عميق لقيمة الإنسان وأهميته باعتباره المحرك الأساسي لكل نشاط وفعل وإنجاز يتم على هذا الكوكب، والمحور المركزي الذي تدور حوله السياسة ويتحرك من أجله الاقتصاد.
هذه الحكمة والرؤية المشبعة بروح الإنسانية والمنسجمة بشكل كامل مع الفطرة ليست وليدة اليوم ولا هي نتاج ظرف طارئ وإنما هي امتداد لعقيدة راسخة وقناعة متجذرة وقيم سامية قامت عليها دولة الإمارات منذ أن بزغ فجرها وأشرقت شمسها، لأنها تأسست نتيجة التقاء إرادات خيرة وضمائر مخلصة وقلوب آمنت بحق الإنسان في أن يعيش حياة كريمة وأن يتمتع بما حباه الله من نعم وما أودعه سبحانه في الأرض من خيرات، فسخّرت المقدرات والإمكانات جلّها لأجله ووجّهت بوصلة السياسة نحوه، واتخذت من الاقتصاد وسيلة لتحقيق رفاهيته وسعادته، وأولت شؤون حياته بتفاصيلها الدقيقة كل العناية والرعاية وفي المقدّمة من ذلك صحته التي تعتبر أغلى ما يملكه والأساس الذي تقوم عليه حياته ولا تستقيم أو تزدهر إلا به.
صحة الإنسان على هذه الأرض الطيبة مواطناً كان أو مقيماً استرعت منذ وقت مبكر انتباه مؤسس الدولة وباني نهضتها المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي أرسى نهضة شاملة في هذا المجال من حيث النظم والمنشآت والكوادر تحاكي أفضل ما هو متوافر في أفضل دول العالم تطوراً وجودة في الخدمات الصحيّة، وحرص شخصياً على متابعة تأسيس وتطوير كل ما يتعلّق بهذا القطاع الحيوي، وأكد في إحدى مقولاته الخالدة: «لا شك أن النجاح في تأمين المناخ الصحي للمجتمع وحمايته من الأمراض، هو ترجمة أمينة وواقعية للسياسة البناءة، والتخطيط السليم، واليقظة الدائمة حتى يعيش أبناء وطننا أصحاء بدنياً ونفسياً واجتماعياً، ويتسنى لكل فرد الوصول إلى أفضل طاقاته الذاتية، والمشاركة الفعالة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية».
هذه القناعة التي تزخر بالمعاني الإنسانية وهذا النهج الذي قام على المقاصد النبيلة، هو بمثابة تجسيد لما أكده الدين الإسلامي الحنيف الذي أكّد في الآية الكريمة «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً»، على أنّ كل ما في الكون مسخّر لخدمة الإنسان ليعيش حياة طيبة هانئة، وهو ما لا يتحقق إلا عندما يكون الإنسان معافى من الأمراض والعلل، خالياً من الأسقام والأوجاع التي تنغص بلا شك حياة المريض وتحد من قدرته على التمتع بالنعم، وهو كذلك تحقيق للحديث النبوي الشريف: «تداووا عباد الله، فما جعل الله من داء إلا جعل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله».
حين يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أهمية الصحة وأولويتها على أي شيء آخر وتقدّمها على غيرها من مقومات الحياة، ويعتبر أن دورها يسبق أدوار القطاعات الأخرى كافة، وخصوصاً السياسة والاقتصاد، اللذين طالما تجادل العالم في أسبقية أحدهما على الآخر، فإن سموه بذلك يستخلص ويلخّص أفضل نتيجة يمكن أن يخرج بها العالم من حربه ضد فيروس كورونا المستجد، ويصوغ معادلة جديدة في حياة البشرية ويؤسس لمنظور جديد مبني على إعادة ترتيب الأولويات سيساهم في حال تبنيه والعمل به في تصويب الاختلالات الكثيرة التي عاناها الإنسان على مر عقود، نتيجة الإسراف في المادّية والسعي المحموم للتفوق السياسي والاقتصادي اللذين لم تعد لهما تلك القيمة الكبيرة، لأنهما يقفان الآن عاجزين عن مواجهة فيروس لا يرى إلا تحت المجهر لكنه يرعب العالم كلّه ويشلّ اقتصاده ويحير عقول ساسته ومفكريه.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات