الافتتاحية: حزم إماراتي في رفض مشروع الضم

  • 11 يوليو 2020

تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة وقوفها إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ودعمها مطالبه المشروعة، ورفضها أي محاولات إسرائيلية للتجاوز، أو الالتفاف على تلك الحقوق، تحت مسميات مختلفة، وبذرائع وحجج واهية لا تستند إلى أي شرعية، ولا تتمتع بأي مصداقية، وتفتقر إلى الحد الأدنى من قواعد اللباقة السياسية.
فمنذ أن أعلنت حكومة اليمين الإسرائيلية، ورئيسها بنيامين نتنياهو، نيتهما ضمَّ غور الأردن وأجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، كانت دولة الإمارات في مقدّمة المبادرين إلى رفض هذه الإجراءات، وتأكيد بطلانها، وبذلت جهوداً كبيرة، وسخَّرت دبلوماسيتها لتوضيح مخاطر هذا المخطَّط في المحافل الدولية، من خلال علاقاتها الثنائية مع دول العالم المختلفة، وعملت على تشكيل رأي عام عالمي رافض لها، ولم تتأخر عن المشاركة في كل جهد ومسعى عربي لردع الأطماع الإسرائيلية؛ وهو ما أثمر موقفاً دولياً رافضاً لمخطَّطات الضم، بات يشكل ضغطاً كبيراً على الحكومة الإسرائيلية، ويجبرها على مراجعة موقفها والبحث عن مخرج للأزمة التي تسبَّبت بها، وألقت بظلالها على علاقاتها حتى مع أكثر الدول دعماً لها، وفي المقدّمة منها دول الاتحاد الأوروبي.
وقد جاء الرفض الإماراتي هذه المرة في إطار موقف عربي موحَّد تجاه المشروع الإسرائيلي، ودعماً لإجماع عربي ودولي على خطورة هذا المشروع، الذي لا شك في أنه سيكون سبباً لتقويض جميع الجهود التي بُذِلت للتوصل إلى سلام يخرج هذه المنطقة من حالة اللاحرب واللاسلم، التي تعيشها منذ عام 1973، وسيعيد من جديدٍ تأجيج الصراع فيها، وسيدفع إلى مزيد من الإحباط والاحتقان اللذين سيغذيان نزعة العنف والتطرف؛ الأمر الذي لا يخدم أي طرف، وستكون له انعكاساته الضارَّة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، بل على العالم كلّه، الذي يواجه في هذه الأثناء معركة مع عدو خفيّ شرس يلحق بالإنسانية جمعاء خسائر هائلة في الأرواح والصحة، ويسبب نزيفاً كبيراً في اقتصاد الدول يهدد مقومات الحياة ومستقبل الأجيال القادمة.
قرار الضم خرق فاضح للقانون الدولي، وتقويض تام لخيار الدولتين، الذي رضي به الفلسطينيون والعرب، ودعمته دول العالم بلا استثناء؛ وبالتالي فهو يشكّل، في حال إصرار إسرائيل على تنفيذه، شهادة وفاة لجهود التسوية، وعودةً إلى المربع الأول من الصراع؛ وهو خطوة سيكون ما بعدها مختلفاً تماماً عمَّا قبلها، وستجعل من الصعب عندئذ إقناع أي طرف فلسطيني بإمكانية تحقيق السلام، أو بجدوى التفاوض؛ وستدفع المنطقة نحو المجهول الذي لا تُحمَد عقباه، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه.
صحيحٌ أن الدول العربية تبنَّت السلام خياراً استراتيجياً لا رجعة عنه، وطرحت العديد من الحلول والخيارات والمبادرات التي استهدفت إرساء سلام حقيقي عادل ودائم وشامل في منطقة الشرق الأوسط كلّها، يتضمَّن تطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل، ويتيح للأخيرة الانخراط في المنطقة والتعاون مع دولها بما يخدم مصالح الجميع، إلا أن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن العرب قد تخلَّوا عن الشعب الفلسطيني، أو أن أولوية قضيته قد تراجعت في أجنداتهم؛ فهي لا تزال القضية الأولى، التي لا يمكن من دون التوصل إلى حلّ لها يرضي كل الأطراف أن تنعم المنطقة بالاستقرار، أو أن تتمكَّن دولها من التفرغ لمشروعات التنمية التي تحقق الرفاهية لشعوبها؛ حيث ستظل لغة الريبة والتوجُّس والتربُّص هي السائدة، وسيبقى التوتر وانعدام الثقة عائقَين أساسيين أمام أي تعاون فاعل وذي جدوى.
إسرائيل تتنكر بمساعيها إلى فرض سياسة الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، للشرائع والقوانين الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والشعوب، وتجرّم الاحتلال والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وتضرب بكل القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على مدى 70 عاماً عرض الحائط، وتتنكر للاتفاقيات والتفاهمات التي تمت بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية، التي قدَّمت الكثير من التعاون، من دون أن تحصل، حتى الآن، على الحد الأدنى ممَّا تضمنته الوعود التي قُطِعت لها؛ وهي حال لن تقبلها دولة الإمارات التي كانت، ولا تزال، وستظل، بحكمة قيادتها الرشيدة، نصيراً للحق، ومسانداً قوياً لمبادئ العدل والحرية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات