الافتتاحية: حراك فاعل يبشّر بتسوية الأزمة الليبية

  • 1 أكتوبر 2020

يبشّر الحراك الدولي النشِط بخصوص الملف الليبي، الذي يجري في أكثر من مدينة حول العالم وعلى أكثر من صعيد، بقرب حدوث اختراقات مهمَّة بشأن الأزمة التي يُعانيها هذا البلد منذ عام 2011، تؤسس لحالة جديدة من التفاهم والتوافق بين أطيافه السياسية المختلفة، تُنهي الانقسام والتشرذم والاحتراب الذي جرَّ على شعبه ويلات وكوارث لا حصر لها، وحرَمَه التمتعَ بما يزخر به وطنه من خيرات وثروات تكفي لجعله واحدًا من أغنى البلدان، ليس في المنطقة فقط، بل على مستوى العالم كلّه، وتؤمّن لشعبه، في حال تمت إدارتها وتوزيعها واستغلالها على الوجه الأمثل، أفضل مستويات الحياة الكريمة.

ومن الواضح أن الجهود، التي بذلها وما زال يبذلها كلٌّ من مصر والمغرب للتوسُّط في الأزمة الليبية بدأت تؤتي ثمارها؛ إذ تشير الأنباء الواردة من منتجع بوزنيقة المغربي إلى تقدّمٍ في الحوار الجاري بين ممثلي المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب (برلمان طبرق)، خصوصًا في ظل حرص كبير من المضيف على تقريب وجهات النظر وتذليل العقبات والمساعدة على إيجاد المخارج المقبولة من الجميع لنقاط الاختلاف التي تطرأ بين الحين والآخر، وتوفير الظروف كافة التي تحقق الانسجام بين ممثلي الأطراف المشاركة، وتقطع الطريق على أيّ محاولات لإفشال المحادثات، أو التدخل فيها لغايات لا تخدم الهدف الأساسي منها، وهو توحيد كلمة الليبيين ومساعدتهم على التوصل إلى اتفاقات لتشكيل حكومة وطنية توحّد بلادهم، وتنهي انقسامها ما بين شرق وغرب.

وفي مدينة الغردقة المصرية، التي تستضيف المحادثات المتعلقة بالشق العسكري، تحقق الأطراف الليبية تقدُّمًا يبعث على التفاؤل، يتمثل في الاتفاق على تشكيل هيئة عسكرية تضم الجميع، وتوزيع المناصب العسكرية بين الأقاليم الثلاثة «طرابلس وفزان وبرقة»، وإنشاء قوة ليبية مشتركة للتدخل السريع من الجيش تحمي مقر الحكومة الليبية ومنشآت النفط، وكذلك دمج أبناء القبائل في المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية المختلفة، وهي جميعًا نقاط في غاية الأهمية تمهّد الطريق أمام الفصل بين السلطات، وتجنيب القوات المسلحة خلافات السياسة بحيث تكون مهمتها حماية الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية.

إنَّ النتائج التي تمخضت عنها الجهود المصرية والمغربية تؤكّد بما لا يدع مجالًا للشك أن البيت العربي هو الأقدر دائمًا على جمع الأشقاء والتوفيق بينهم، والمساعدة على القفز فوق الخلافات والتناقضات مهما بلغ حجمها، وأيًّا كانت أسبابها، والأكثر حرصًا على وحدة الدول العربية كافَّة وعلى أمنها واستقرارها وسلامتها، باعتبار ذلك ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي الذي يتكامل ويترابط بشكل عضوي، كما تؤكد أن المخلصين من أبناء ليبيا قد أدركوا خطورة استمرار الصراع والانقسام اللذين لا يخدمان سوى الأجندات الخارجية الطامعة في ثروات بلادهم التي لا تحركها سوى هواجس النفوذ وأوهام السيطرة من دون اكتراث بمصالح الشعب الليبي، ولا بدماء أبنائه، ولا بمعاناته اليومية، ولا بالتمزق الذي أصاب مفاصل دولته، وحوَّلها ساحة لصراعات المصالح والأطماع.

يومًا بعد آخر تتسارع الخطوات نحو ليبيا جديدة وموحَّدة ومستقرة والوقت بات مناسبًا لكل الأطراف الليبية للتوصل إلى اتفاقات سياسية وعسكرية واقتصادية تقود إلى تشكيل حكومة موحدة تجمع شرق البلاد وغربها، من خلال الاستفادة من الزخم الدولي الذي يدفع باتجاه إنهاء هذه الأزمة، والذهاب إلى مؤتمر جنيف الذي ستنظمه الأمم المتحدة بشأنها بعد أيام عدَّة برؤية واضحة وقرار حاسم بإسدال الستار بشكل نهائي على مرحلة الاختلاف والصراع.

المطلوب من الفرقاء الليبيين، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن يتساموا على الطموحات الشخصية والمصالح الفئوية والجهوية الضيقة، وأن يحرصوا على تجاوز الخلافات وتحجيمها وتقزيمها إلى الحدّ الذي تصبح فيه غير قادرة على إعاقة تقدُّمهم نحو الوحدة الوطنية، وأن يعظّموا نقاط الاتفاق وهي كثيرة، ويعضوا عليها بالنواجذ، وأن يعملوا على قلب رجل واحد من أجل خير وطنهم وآمال وتطلعات شعبهم الذي طال انتظاره لنافذة الفرج؛ فالآمال معقودة عليهم، والأنظار ترنو إليهم للانطلاق نحو غد أفضل عنوانه البناء والنهضة والتنمية، وركيزته الوحدة والالتفاف حول العلم الليبي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات