الافتتاحية: تهديدات غير مسبوقة من دول الجوار للأمن القومي العربي

  • 21 يوليو 2020

لم يكُن الأمن القومي العربي، في تاريخه الحديث، مهدَّداً كما هو في الوقت الحالي؛ الذي يشهد حالة غير مسبوقة من التداعي على الأمة، والتكالب على أقطارها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وإذكاء نيران الصراع والفتن فيها، إما من منطلق أحقاد تاريخية وسعياً إلى الأخذ بثارات قديمة، وإما طمعاً في ثرواتها ومقدَّراتها، أو رغبة في استغلال الظروف التي تمر بها لتوسيع الهيمنة، وتحقيق أحلام السيطرة والنفوذ، أو تمرير مصالح ومشروعات تلحق الضرر بها؛ فنظرة معمَّقة وسريعة على الواقع العربي تكشف عن مواطن خلل ووهن وضعف لا تكاد زاوية من زوايا الأمة، أو ثغر من ثغورها يخلو منها، يستغلّها الطامعون والطامحون، وينفذون منها تحت صيغ وأسماء متنوعة، وبحجج ومبررات تبدو في ظاهرها للبعض سمينة؛ لكنها في حقيقة الأمر غثَّة لتدخلات لا هدف لها سوى النخر في الجسد العربي، وإحداث المزيد من الشروخ والانقسامات فيه، وهو أمر لا ينطلي إلا على من قبلوا رهن عقولهم، وتسليم قرارهم، وتوهموا أن الغريب قد يبني وطناً، وأن الارتماء في أحضان الدخيل سيوفر لهم فرصة امتلاك السلطة التي يلهثون وراءها.
في المغرب العربي يبرز التدخل التركي الفجّ في الشأن الليبي بصفته واحداً من أبرز تحديات الأمن القومي العربي؛ فهذا التدخل، الذي يتمُّ على الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية كافة؛ وتحت ستار مساندة حكومة الوفاق، يهدد بتدويل الأزمة في ليبيا، وبتقسيم البلاد وتحويلها مرتعاً للميليشيات والتنظيمات الإرهابية التي ستتخذ منها منطلقاً لأنشطتها التخريبية ضد دول الجوار.
وفي المشرق العربي هناك التهديدان الإيراني والإسرائيلي؛ فالأول لا يكل ولا يمل من مساعيه إلى التدخل في الدول العربية، عبر ما يسميه «تصدير الثورة»، ويبذل جهوداً لا حدود لها للنخر في النسيج الاجتماعي العربي، وإشعال الفتن الطائفية بين مكوناته، ويقوّض بشكل مباشر الأمن والاستقرار في أربع دول عربية، هي العراق وسوريا ولبنان واليمن، من خلال الميليشيات التابعة له التي يقدّم إليها التمويل والتسليح، والتي تتصرف كل منها بصفتها دولة داخل الدولة، وتتمرَّد على الحكومات والأنظمة الشرعية، وتنقلب عليها، وتمارس العربدة والاعتداء على الدول العربية المجاورة. بينما يواصل الثاني (الإسرائيلي) احتلال الأرض العربية؛ ويعمل على قضم المزيد منها، ويستمر في عدوانه على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
خاصرة أخرى في جسد العالم العربي ممثلة بمصر والسودان، لم تسلم هي الأخرى من التحديات التي تهدد العنصرين الأكثر أهمية من عناصر أمنها الاستراتيجي، وهما الماء والغذاء، اللذان يشكّلان أساس الحياة، وهي تحديات ناجمة عن إصرار إثيوبيا، التي تسيطر على معظم منابع نهر النيل وروافده، على تجاهل مصالح البلدين العربيين، وتواصل بناء سد النهضة العملاق، وتعمل على ملئه وتشغيله حتى قبل الاتفاق معهما على القواعد والأسس التي تضمن حقوق الأطراف كافة في المياه، وتتعنَّت في مواقفها إزاء مطالبهما العادلة بأن تتم إدارة هذا الموضوع المصيري بالتشارك، وبما يضمن عدم تجاوز أو تغوُّل أي طرف على حقوق الأطراف الأخرى، ومصالحها؛ وهو موقف يضع المسألة برمَّتها على صفيح ساخن، ويدفعها نحو المزيد من التعقيد الذي قد لا تُحمَد عواقبه.
وممَّا يؤسف له أن الساعين إلى التدخل في الشأن العربي يستغلون سذاجة بعض من ينتمون إلى الأمة وسطحيَّتهم، ويستخدمونهم جسوراً للعبور من فوقها نحو أهدافهم المخفية وأجنداتهم المشبوهة؛ ثم ما يلبثون عند أول اختبار جدّي يتطلب منهم تقديم أي تضحيات مهما كانت بسيطة أن ينسحبوا من المواجهة، ويتركوا الساحة للعبث والفوضى من دون أن يرفَّ لهم جفن؛ فهم يقاتلون حتى آخر قطرة دم عربي، ويدعمون حلفاءهم من المخدوعين العرب حتى آخر جزء من ثروات أوطانهم.
أمام ذلك كله باتت الدول العربية بحاجة ملحَّة إلى مقاربة جديدة في مجال العمل المشترك، تقوم على تعظيم نقاط الاتفاق والالتقاء، وتحجيم نقاط الاختلاف، وإعادة الاعتبار إلى المرتكزات والأسس التي يقوم عليها، المتمثلة في وحدة اللغة والتاريخ والمصير المشترك، إلى جانب توظيف المصالح في تعزيز العلاقات البينية، وإعادة النظر في ميثاق جامعة الدول العربية ودورها الذي لم يعد فاعلاً ولا مؤثراً كما كان الهدف من تأسيسها، وإنما تحول إلى دور بروتوكولي شكلي لا يمكنه تقديم أي جديد يمكن أن يغيّر من واقع الأمة في ظل التغيرات السياسية والأيديولوجية الحاصلة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات