الافتتاحية: تكثيف التعاون الدولي لمواجهة «كورونا»

  • 29 فبراير 2020

لا شيء يشغل بال العالم هذه الأيام أكثر من خطر فيروس كورونا المميت الذي انتشر كالنار في الهشيم، كما يقولون، وبات خطراً داهماً يطرق أبواب العالم من أقصاه إلى أقصاه بلا استثناء، ليثير حالة من الفزع والهلع في نفوس مئات الملايين من البشر في أنحاء الكرة الأرضية المختلفة، بعد أن ظن كثيرون أنهم، وبفعل التقدم التكنولوجي الهائل الذي شهده عصرنا الحالي في ظل الثورة الصناعية الرابعة، قد باتوا في مأمن من مثل هذه الأخطار.
بدأ انتشار الفيروس في مدينة ووهان في مقاطعة هوبي الصينية، ليحصد في غضون أقل من شهرين أرواح ما يقرب من 3000، وليصيب عشرات الآلاف من الأشخاص، والأعداد في تصاعد يوماً بعد يوماً سواء فيما يخص حالات الوفاة أو حالات الإصابة، وفي الوقت الذي ظن فيه بعضم أنه يمكن محاصرة الفيروس داخل الأراضي الصينية، اتضح لاحقاً خطأ هذا الاعتقاد، حيث تسرب من داخل الصين إلى مناطق واسعة من العالم في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول آسيوية وشرق أوسطية أخرى، واتخذ الفيروس اللعين بؤراً جديدة له خارج الصين.
وقد أكد هذا الانتشار السريع لفيروس كورونا خارج بؤرته الأصلية في ووهان، أن العالم، يعيش بالفعل عصر العولمة، الذي لا يقيم وزناً لمسألة الحدود السياسية، وأن الوقوف بوجه ما ترتب على ظاهرة العولمة التي غزت العالم بشكل قاسٍ منذ نهاية عصر الحرب الباردة، يعد محض عبث، ليؤكد هذا الواقع من جديد أهمية التعاون الدولي كسبيل وحيد وضرورة لا مفر منها لمواجهة الأخطار التي تهددنا جميعاً، لنتمكن من البقاء أحياء على ظهر الأرض لأن البديل سيكون الفناء.
لقد أعلنت دول كثيرة، قبل أن يتمكن «كورونا» من التمدد خارج الصين، أنها تدعم بكين لمواجهة هذا الوباء المهلك، وكان هذا موقفاً رائعاً، ولكن الأمر، كان بحاجة إلى مزيد من التعاون الدولي المكثف، من خلال آليات أكثر حسماً وصرامة لإنقاذ أرواح من فتك بهم المرض داخل الصين، والحيلولة دون انتشاره خارجها، ولكن هذا الأمر لم يتحقق، ربما بفعل التراخي الدولي في بداية انتشار الفيروس وبفعل طغيان ظاهرة العولمة، التي أصبحت بمثابة قطار هائج لا يمكن الوقوف في وجهه.
الآن، ربما يكون السيل قد بلغ الزبى، كما يقول المثل العربي الشهير، فالفيروس بات في انتشار مفزع، وعلى العالم أن يتحرك بشكل فعال ودقيق، وعن طريق آلية جماعية لمواجهة هذا الخطر الداهم، فإغلاق الحدود والتمترس خلفها لن يفيد، والجهود الفردية لن تحقق الأهداف المطلوبة، ولعل إدراك العالم لمدى الخطر الذي بات يمثله كورونا هو الخطوة الأولى المطلوبة لمواجهة هذا الواقع المخيف، وربما يكون هذا التسارع الكبير في معدلات انتقال المرض خارج الحدود وداخل بعض الدول دليلاً كافياً على وجوب تعظيم الوعي بما نواجهه من خطر جسيم. وثمة قضية حيوية في هذا السياق، تتمثل في ضرورة أن تتعامل الدول كافة بشفافية مطلقة في إعلان حالات الوفاة أو الإصابة لديها، حتى يمكن تقدير مدى الخطر، والتخطيط بشكل سليم لمواجهته الحاسمة.
إن العالم اليوم، يواجه تحدياً مصيرياً سيقيس مدى قدرته على التعاون المشترك ومواجهة الأخطار المحدقة بكل الدول، في ظل تغوّل ظاهرة العولمة، والمطلوب هو حتمية التعاون الفعال لمواجهة «كورونا» قبل أن يتحول إلى وباء عالمي يفني أرواح الملايين من البشر، ولعل هذا التحدي الخطير، يكون مقدمة لأن تتعاون الدول في حزمة من القضايا الحيوية الأخرى، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بتغير المناخ، والتي يجب أن نتعاون فيها جميعاً، لنتعلم كيف نعيش سوياً كالإخوة، أو أن نهلك معاً كالحمقى، كما قال مارتن لوثر كينج.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات