الافتتاحية: تفعيل دور الجامعة العربية ضرورة للأمن القومي

  • 13 يونيو 2020

عندما تأسست جامعة الدول العربية عام 1945 كان الأمل والطموح الذي يراود الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج، هو أن تحمل هذه المؤسسة تطلعاته نحو لمّ الشمل وإحياء المشروع النهضوي الوحدوي الذي يعيد للأمة ألقها ويحقق لها المكانة التي تستحق بين أمم العالم وشعوبه، وأن تعنى بما يشغل باله ويدور في خلده من رغبات تتمحور كلها حول الهدف الأسمى والحلم الأكبر وهو الوحدة المنشودة التي ظلت على الدوام الشعار الذي لا خلاف عليه.
وعلى الرغم من أن ميثاق الجامعة لم ينص صراحة على مفهوم الوحدة الاندماجية إلا أن كل مضامينه تدور حول وحدة الموقف ووحدة المصالح ووحدة المستقبل وارتباط المصير العربي، إذ حدد في الغرض من إنشائها توثيق الصلات بين الدول الأعضاء وتنسيق خططها السياسية لتحقيق التعاون بينها وصيانة استقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها، وتعزيز التعاون وتوثيقه في الشؤون الاقتصادية والمالية، والمواصلات والثقافة وشؤون الجنسية، والشؤون الاجتماعية والصحية؛ أي أنه جاء شاملاً متكاملاً ليشكل قاعدة مثالية لتعاون عربي فاعل يمكن البناء عليه وتطويره نحو صيغ أخرى كلما دعت الحاجة ليخدم الدول العربية ويحقق مصالحها وفقاً لما تقتضيه التطورات والمستجدات والمراحل التي يمر بها.
وللحقيقة والتاريخ فقد عملت الجامعة بجد واجتهاد وبذلت جهوداً لا يمكن إنكارها أو الاستهانة بها لخدمة القضايا العربية الكثيرة والمتشعبة، وكانت على الدوام بيت العرب والمظلة التي يلتقون تحتها ويتمكنون في إطارها من تجاوز خلافاتهم وجمع شتاتهم وتوحيد رؤاهم ومواقفهم، والمنبر الذي يدافع عن مصالحهم ويذود عن قضاياهم بما أوتي من إمكانات وقدرات، برغم الكثير من العقبات والمعوقات التي كانت تواجهها وتحدّ من قدرتها على الفعل والتأثير في القرار الرسمي العربي، سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي.
غير أن الجامعة التي تحتفل هذا العام بيوبيلها الماسي ومرور 75 على انطلاق مسيرتها، لم تتمكن حتى الآن من ممارسة دورها المأمول في تنقية الأجواء العربية وإزالة جميع الشوائب العالقة بها على طريق لمّ الشمل العربي وتوجيهه نحو التكامل والوحدة، وحل الخلافات والنزاعات، بل إن دورها ظل في غالب الأحيان رهينة للخلافات السياسية بين الدول الأعضاء وعرضة للتجاذبات والمناكفات التي تنشأ بين الحين والآخر بين دولة وأخرى، وتراجع إلى حدٍّ باتت فيه الجامعة أقرب ما تكون إلى منبر لتبادل المجاملات وإصدار البيانات، والطرف الذي يتلقى المبادرات والتوجيهات بدلاً من أن يكون صانعاً ومصدراً لها، واقتصرت نشاطاتها في الغالب، باستثناء مؤتمرات القمة، على الاجتماعات الطارئة التي تأتي كرد فعل متأخر على مشاكل ومخاطر تتهدد الأمة كلها أو جزءاً من أجزائها.
لقد أناطت المادة الخامسة من ميثاق جامعة الدول العربية بمجلس الجامعة مهمّة التوسط في الخلافات العربية – العربية والعمل على حلها والسعي إلى منع وقوع حرب بين دولة وأخرى من الدول الأعضاء وإصدار قرارات التحكيم والقرارات الخاصة بالتوسط ومنعت اللجوء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، واعتبرت قرارات المجلس في هذا النوع من القضايا نافذاً وملزماً، وهو ما يعني أنها تمتلك الأساس القانوني الذي يؤهلها للتدخل في النزاعات الناشبة في غير دولة من الدول العربية والعمل على تسويتها بشكل يخدم الإنسان العربي في تلك الدول الذي شبع خوفاً ودماراً وتشريداً وإحساساً بفقدان الحاضر وضياع المستقبل.
إن احتواء النزاعات العربية الداخلية القائمة وحلها وجمع الأطراف المتنازعة يشكل حالياً واحدة من أهم قضايا الأمن القومي العربي المعاصرة، لأن تلك النزاعات فتحت الباب على مصراعيه لاختراق جداره والعبث فيه وتمرير الأجندات التي لا تخدم المصلحة العربية بأي حال من الأحوال، ولا حتى مصلحة الطرفين المتنازعين، الأمر الذي يتطلب تحولاً حقيقياً في دور الجامعة وآليات عملها يقود إلى تفعيل هذا الدور ويمكّنها من التدخل كوسيط محايد وموثوق به وحريص على المصلحة العربية وحل الخلافات بما يحقن الدم العربي ويحفظ للدولة المعنية سيادتها ووحدة أراضيها ولشعبها أمنه واستقراره وكرامته، وأحوج ما يكون إلى مثل هذا التدخل الآن هو الساحة الليبية التي تنذر التطورات فيها بالمزيد من التدويل لأزمتها التي طال أمدها.

Share