الافتتاحية: تعزيز ثقافة السلام والتسامح عالميًّا

  • 25 يناير 2021

يموج العالم المعاصر بالكثير من الصراعات الخطيرة التي تختلف أسبابها ما بين سياسية أو اقتصادية أو حدودية أو عرقية أو مذهبية وغيرها، ولكنها في جميع الأحوال تهدد التعايش المشترك بين دول العالم المختلفة والأمن والسلام الدوليين، وتحول دون الوصول بالتعاون العالمي إلى المستوى المأمول، وعلى النحو الذي يمكّن العالم من التصدي بفاعلية لحزمة من التحديات الكبيرة التي تهدد المصير المشترك للإنسانية كلها.

لقد بات العالم ومع طغيان ظاهر العولمة قرية صغيرة بالفعل، وأصبحت التحديات ضخمة وشديدة التعقيد، وبات من غير الممكن التصدي لها بشكل فردي ما يجعل من تعزيز ثقافة السلام والتسامح ضرورة حاسمة، لمواجهة هذه التحديات، ولعل جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» أكدت هذا المعنى بشكل لا يقبل الجدل أو التشكيك، ففي وقت قياسي غزا هذا الفيروس الفتاك العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، مع تنامي حركة السفر والانتقال للبشر والسلع بشكل غير مسبوق، وقد كان لتعاون دول العالم ومراكز البحوث في دول مختلفة دور كبير في التصدي لهذه الجائحة التي مازالت تضرب العالم بشدة، ولكن هذا التعاون وضع حدًّا لتداعياتها السلبية، ويمثل إنتاج عدد من اللقاحات المضادة للفيروس أملًا للبشرية بالخلاص من هذا الجائحة، وهذه الخطوة ما كانت لتتم من دون تعاون دولي فاعل.

الأولوية إذًا لا بد أن تكون لتعزيز ثقافة السلام والتسامح على الصعيد العالمي، حتى يمكن تدشين مرحلة جديدة يرتقي فيها التعاون الدولي إلى مستوى يمكّنه من مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه العالم بأسره. ومن هذا المنطلق، فقد رحبت رابطة العالم الإسلامي بالمشروع الأممي الرائد المعزز لثقافة السلام والتسامح، الذي دعت إليه دول عربية وإسلامية عدة، في طليعتها المملكة العربية السعودية بثقلها العربي والإسلامي والدولي، حيث تم حشد الدعم والتأييد لاعتماد الجمعية العامة للأمم المُتحدة بالإجماع يوم الخميس الماضي لقرار تعزيز ثقافة السلام والتسامح لحماية الأماكن الدينية.

وأكدت الرابطة في بيان لأمينها العام رئيس هيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، موقفها الدائم بإدانة أشكال التطرف والعنف والإرهاب كافة، التي تستهدف المواقع الدينية وغيرها، مع رفضها التام وتصديها المستمر لخطاب الكراهية والعنصرية بذرائعه كافة، ووقوفها الداعم على الدوام لثقافة السلام والوئام والحوار والتسامح.

وتقوم دولة الإمارات العربية المتحدة بدور نشط وفاعل في تعزيز ثقافة السلام والتسامح على الصعيد الدولي، من خلال الكثير من المواقف والسياسات والمبادرات، حيث تؤمن قيادتنا الرشيدة بالفعل بأننا نعيش في عالم واحد نواجه فيه تحديات مشتركة لا يمكن التغلب عليها إلا بجهد موحد من قبل دول العالم كافة، وتمثل وثيقة الأخوّة الإنسانية التي وقعها كلّ من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية في 04 فبراير 2019، في أبوظبي مبادرة مهمة لتعزيز العلاقات الإنسانية وبناء جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب إلى جانب التصدي للتطرف وسلبياته. وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بالإجماع يعلن يوم 4 فبراير «اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية»، ضمن مبادرة قدمتها كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية، وسيحتفل المجتمع الدولي بهذا اليوم سنويًّا ابتداءً من العام الحالي 2021.

إن تعزيز ثقافة السلام والتعايش على الصعيد العالمي ضرورة أساسية لتفادي الصراع وتكريس التعاون الدولي المشترك، حتى يستطيع العالم مواجهة تحديات وجودية مشتركة تهدد مستقبل البشرية كلها، وهذه الثقافة هي النقيض الكامل لثقافة التعصب والكراهية، التي يجب أن توجه بكل حسم على الصعيد الدولي وداخل كل دولة على حدة، وهو ما يتطلب تكثيف التعاون الدولي لتحقيق هذا الهدف، وأن تقوم كل دولة بتعزيز إطارها القانوني لمواجهة كل صور التعصب والكراهية.

Share