الافتتاحية: تعزيز التعاون الدولي أولوية جوهرية في عام 2021

  • 30 ديسمبر 2020

أكدت جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» التي تعانيها دول العالم كافة منذ نحو عام أهمية حشد الجهود الدولية وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها بطبيعة الحال هذه الجائحة التي تمثل أكبر تحدٍّ يواجهه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وذلك في ظل ما خلفته من خسائر هائلة على الصعيدين البشري والاقتصادي والأصعدة الأخرى كافة، حيث تجاوز عدد المصابين بهذا الفيروس الفتاك حاجز الـ 80 مليون شخص حول العالم، فيما توفي من جراء الإصابة به أكثر من مليون و700 ألف شخص. وفيما يخص الخسائر الاقتصادية، فقد توقعت المستشارة الاقتصادية في صندوق النقد الدولي، جيتا جوبيناث، في تصريحات سابقة لـ«بلومبيرغ»، أن الاقتصاد العالمي قد يتكبد خسائر قيمتها نحو 12.5 تريليون دولار خلال عامي 2020 و2021، وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إنها قد تتجه لخفض توقعاتها للنمو العالمي بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة خلال 2021، وبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فمن المتوقع أن تخسر أغلب اقتصادات العالم حوالي 2.4 في المئة من ناتجها المحلي على مدار عام 2020، ومن المرجح أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 4 في المئة هذا العام، وقد أدت الجائحة إلى تراجع حجم التجارة العالمي بنسبة 20 في المئة وتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 40 في المئة وهبطت أحجام التحويلات بمقدار 100 مليار دولار.

ولا تشكل جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد- 19» الخطر الوحيد الذي يواجه دول العالم خلال المرحلة الحالية، فثمة كثير من الأخطار والتحديات الأخرى، لكن أهمها ربما يتمثل في مشكلة التغيرات المناخية، التي يجب أن تمثل إضافة إلى الجائحة أولويتين جوهريتين للعالم خلال المرحلة الحالية والمرحلة المقبلة أيضًا، وهذه المشكلة تتطلب كذلك تكثيف التعاون الدولي للتعامل معها على النحو المطلوب، ويُؤمَل أن يكون العام المقبل نقلة في تعزيز مسيرة التعاون الدولي المشترك، وفي هذا السياق، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى أن يكون عام 2021 «عامًا للمداواة» وذلك في رسالته بمناسبة العام الجديد وقال إن «تغير المناخ وجائحة (كوفيد-19) أزمتان لا يمكن معالجتهما إلا من قبل الجميع معًا كجزء من الانتقال إلى مستقبل شامل ومستدام». وأضاف أن أهم هدف للأمم المتحدة للعام المقبل هو بناء تحالف عالمي من أجل حياد الكربون مع الوصول إلى انبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتستند الدعوة إلى جعل التعاون الدولي أولوية جوهرية في عام 2021 إلى حقيقة أن العالم بات بالفعل قرية واحدة مع تصاعد ثورة الاتصالات والمعلومات، على نحو أصبح معه مصطلح المصير المشترك للعالم حقيقة واقعة وليس مجرد شعار، ولقد قطعت دول العالم بالفعل خطوات كبيرة في سبيل تكثيف التعاون المشترك، من خلال منظمة الأمم المتحدة التي تمثل المظلة الرئيسية للنظام الدولي، لكن هذا التعاون لم يصل بعد إلى المستوى الذي يمكِّن العالم من مواجهة التحديات المشتركة بشكل فاعل، وهو ما كشفت عنه إلى حد كبير أزمة جائحة «كوفيد-19» التي لا بدَّ أن تدفع دول العالم المختلفة إلى المزيد من الاعتقاد بوحدة المصير الإنساني.

إن التحديات المشتركة التي تواجهها دول العالم كافة تفرض عليها تعزيز التعاون المشترك وتدشين مرحلة جديدة في مسيرة هذا التعاون ترتكز على مفاهيم وحدة المصير البشري، التي تترسخ كحقيقة جوهرية يومًا بعد يوم مع استمرار طغيان ظاهرة العولمة. وإذا كانت جائحة «كوفيد-19» تمثل تحديًا كبيرًا خلال الوقت الراهن، فإنه يمكن تحويلها إلى فرصة لدعم روابط ذلك التعاون وترسيخها والانتقال بها إلى مرحلة جديدة خلال عام 2021، على نحو يمكِّن هذه الدول من مواجهة تلك الجائحة بشكل حاسم والقضاء عليها بشكل مبرم، وكذلك مواجهة مشكلة التغيرات المناخية والتحديات الأخرى التي تعترض طريق العالم نحو تحقيق المزيد من التقدم.

Share