الافتتاحية: تركيا واللعب بالنار في ليبيا

  • 16 يوليو 2020

منذ أن تدخلت تركيا بشكل فج في الشؤون الداخلية لليبيا، من خلال اتفاقيتي تعاون غير شرعيتين عقدتهما مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل عدد من الميليشيات الإرهابية، والأزمة القائمة هناك تزداد تفجراً وخطورة، وبات واضحاً للعيان أن هذا التدخل يهدف إلى تحقيق حزمة من الأهداف التركية الخفية، وليس لمساعدة الليبيين، كما زعمت أنقرة في البداية، فتركيا تسعى من خلال هذا التدخل إلى السيطرة على موارد ليبيا من النفط والغاز، وهو ما يفسر تصميمها على مساعدة حكومة الوفاق على مد نفوذها شرقاً باتجاه سرت.
وعلى الرغم من أن سعي تركيا لمدِّ سيطرتها شرقاً من خلال حكومة الوفاق، التي باتت أشبه بدمية في يد أنقرة، يشكل تهديداً كبيراً لوحدة ليبيا وينطوي على تهديدات جدية للأمن القومي المصري، الأمر الذي دعا القاهرة إلى التأكيد في وقت سابق أن «سرت – الجفرة» تمثلان خطاً أحمر، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن قوات الوفاق تواصل الحشد للتقدم شرقاً، الأمر الذي أكده وزير الخارجية التركي تشاووش أوغلو، أن هناك تحضيرات لعملية عسكرية في سرت، وهو ما اعتبره وزير الخارجية المصري سامح شكري أمراً خطيراً وخرقاً لقرار مجلس الأمن وقواعد الشرعية الدولية، وتطوراً بالغ الخطورة.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ علاقات البلدين، دعا البرلمان الليبي، المعترف به دولياً، مصر رسمياً إلى التدخل العسكري، وقال إنه يمنح «قواتها المسلحة حق التدخل المباشر ضد أي خطر وشيك يهدد أمنهما القومي»، ولمواجهة الدعم التركي لحكومة «الوفاق»، برئاسة فايز السراج في العاصمة طرابلس، التي هددت قواتها غداة هذه الدعوة البرلمانية بـ«شن عملية عسكرية تضمن استمرار تدفق النفط»، في إشارة إلى اعتزامها تجاوز الخط الأحمر، الذي حدده مؤخراً الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بـ«سرت – الجفرة» بوسط ليبيا.
وانطلاقاً مما تنطوي عليه هذه التطورات من مخاطر بالغة، حذرت دولة الإمارات العربية المتحدة من أن طبول الحرب التي تقرع حول سرت في ليبيا تهدد بتطور جسيم وتبعات إنسانية خطيرة، وجددت دعوتها إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، وتغليب الحكمة في ليبيا. وقال معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدة على «تويتر»: «طبول الحرب التي تقرع حول سرت في ليبيا الشقيقة تهدد بتطور جسيم، وتبعات إنسانية وسياسية خطيرة. وندعو من الإمارات إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، وتغليب الحكمة، والدخول في حوار بين الأطراف الليبية، وضمن مرجعيات دولية واضحة، وتجاهل التحريض الإقليمي وغاياته».
والحاصل أن المزيد من تدهور الأوضاع في ليبيا ستكون له تداعياته الخطيرة على الأمن الإقليمي في منطقة شمال إفريقيا، حيث إن اندلاع مواجهات عسكرية سيسهم في زيادة قدرة وانتشار الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، ومن هنا، فإنه يجب على القوى الدولية المؤثرة أن تمارس ضغوطاً قوية على تركيا لكي تكف عن سعيها للسيطرة على ليبيا، وتأجيج الصراع القائم هناك من خلال نقل العناصر المرتزقة وآلاف الإرهابيين إلى الأراضي الليبية، لأن استمرار تركيا في ارتكاب هذه الممارسات سوف يعقد الأزمة بشكل أكبر، ويجعلها أبعد ما تكون عن الحل السلمي، كما أن تجاوز خطـ «سرت – الجفرة» قد يؤدي إلى حدوث صدام عسكري بين مصر وتركيا، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة على الأصعدة كافة.
إن ما تقوم به تركيا في ليبيا، من محاولات محمومة لبسط نفوذها، ليس له سوى معنى وحيد، وهو محاولة احتلال للأراضي الليبية، وهذا يجب أن يكون أمراً مرفوضاً من كل القوى السياسية والمجتمعية في ليبيا، التي يجب أن تغلّب الحكمة، وتعمل على استئناف الحوار السياسي، في إطار المبادرات والقوانين الدولية المتعلقة بذلك. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هناك موقف عربي موحد وقوي لمواجهة هذا السلوك التركي الذي ينطوي بطبيعة الحال على تهديد صارخ للأمن القومي العربي

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات