الافتتاحية: ترسيخ ثقافة السلام ضرورة أساسيَّة لمواجهة الحروب والصراعات

  • 10 أكتوبر 2020

يعاني العالم المعاصر ويلات العديد من الصراعات والحروب المتفجّرة في أكثر من منطقة على امتداد الكرة الأرضية، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، على نحو أدَّى إلى تفاقم معاناة الكثير من الجماعات والشعوب في العديد من الدول حول العالم، وأهدر الكثير من الموارد الاقتصادية التي كان يمكن توجيهها إلى مصلحة عملية التنمية الاقتصادية والقضاء على ظاهرة الفقر المستشرية في معظم دول العالم.

وتختلف أسباب هذه الصراعات والحروب ما بين أسباب عرقية ودينية ومذهبية وغيرها، ولكنَّ جميعها نابع من الافتقار إلى مجموعة من القيم الأساسية الداعمة للتعايش المشترك والتسامح وقبول الآخر وغيرها من القيم المؤسسة لثقافة السلام، التي تمثل ركيزة أساسية لمواجهة تلك الصراعات والحروب والقضاء عليها، ومن ثمَّ الدفع في سبيل عالم أكثر أمناً مؤسس على مبادئ الانفتاح وقبول الآخر.

ويقتضي تكريس ثقافة السلام، بصفتها أداة رئيسية لمواجهة الصراعات والحروب، العمل بادئ ذي بدء على حل هذه الصراعات والحروب من خلال تسويات مقبولة من قبل أطرافها عبر آلية الحوار؛ لأن استمرارها يعني استمرار نشر ثقافة الكراهية، وتؤكد خبرة تسويات الكثير من الصراعات المعقَّدة في مناطق مختلفة حول العالم أن الحوار الشامل والمنفتح كان بالفعل الأداة المثلى للوصول إلى الحلول المقبولة من أطراف الصراع كلها.

وتُعَدُّ دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا بارزًا لنشر ثقافة السلام على الصعيدَين الإقليمي والدولي من خلال جهودها المتواصلة لنشر قيم التسامح والانفتاح والتعايش المشترك، فضلًا عن كونها تجسد كل هذه القيم على أرض الواقع، حيث يعيش فيها أبناء أكثر من 200 جنسية في تناغم وانسجام. ويتمثل أبرز معالم هذه الجهود في وثيقة الأخوَّة الإنسانية التي وقعها في فبراير 2019 كل من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، في أبوظبي برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، حيث تُعَدُّ هذه الوثيقة بمنزلة دستور لتحقيق السلام والأخوَّة بين جميع البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، وتم تأسيس «اللجنة العليا للأخوَّة الإنسانية» لتتولى تنفيذ ما جاء في الوثيقة، وتحويلها إلى حراك عالمي تسهم فيه جميع المؤسسات والهيئات الدينية والدولية.

وتشتد الحاجة إلى تكريس ثقافة السلام بصفتها أداة مُثلى لمواجهة الصراعات والحروب في ظل ما يواجه العالم أجمع من تحديات مشتركة خلال المرحلة الراهنة، تفرض ضرورة توجيه الجهود كافة للتغلُّب عليها، ومنها بطبيعة الحال جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) التي تمثل الشغل الشاغل للعالم حاليًّا، والتحدي الأكبر من نوعه الذي تواجهه البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945)؛ وهذا لن يتم إلا بوضع حدّ لهذه الصراعات والحروب التي تستنفد الكثير من الموارد البشرية والاقتصادية.

وإذا كان القضاء على الصراعات والحروب مقدمة لا بد منها لتكريس ثقافة السلام؛ فإن هناك الكثير من العمل على محاور متعددة لتسييد هذه الثقافة على أرض الواقع؛ فعلى الصعيد الدولي لا بدَّ من الإشارة بشكل خاص إلى الدور المهم الذي يجب أن تقوم به الأمم المتحدة من خلال وكالاتها ومنظماتها المتخصصة، وبخاصة تلك العاملة في مجال دعم الحوار والتواصل الثقافي بين الدول والشعوب، لنشر القيم والمبادئ المحفّزة لدعم ثقافة السلام. وعلى الصعيد الداخلي المتعلق بكل دولة على حدة ينبغي أن يقوم كلٌّ من التعليم بصفته إحدى أهم وسائل التنشئة الاجتماعية، ووسائل الإعلام بصفتها إحدى أبرز أدوات التثقيف الجماهيري، بدورهما المأمول في نشر قيم التسامح والتعايش المشترك، كما يجب على السلطات المختصة أن تزيل كل ما من شأنه إحداث تمييز ضد جماعات معينة عرقية أو دينية أو مذهبية.

إن العالم المعاصر، الذي يعجُّ بالكثير من الصراعات والحروب، هو في أمس الحاجة إلى القضاء على هذه الصراعات والحروب لتوجيه الجهود نحو البناء والتعمير لا الهدم والتخريب، ولكنَّ هذا لن يتم إلا من خلال تكريس ثقافة السلام، التي تمثل النقيض الكامل لثقافة الكراهية والعنصرية والتمييز.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات