الافتتاحية: ترسيخ الثقافة المدنيَّة أولوية مطلقة

  • 23 يناير 2020

تُعَدُّ الثقافة المدنية، بما تحمله من قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، بمنزلة القاطرة الأساسية لتطوير المجتمعات والنهوض بها، ويحظى هذا النمط من الثقافة باهتمام كبير من المهتمين بالقضايا الثقافية، وبالنظر إلى الأهمية الكبيرة، التي تتمتع بها الثقافة المدنية؛ فإنها تُعَدُّ موضوعاً رئيسياً للنقاش والحوار بين المثقفين العرب في المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية، التي تُعقَد بين الحين والآخر، ويحرص كبار المثقفين العرب على المشاركة في هذه الفعاليات من أجل تبادل الأفكار والمقترحات في هذه القضية الحيوية.
وقد شارك سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، خلال هذا الأسبوع، في ملتقى الثقافة المدنية، الذي نظمه معهد المرأة للتنمية والسلام، ضمن فعاليات النسخة السادسة والعشرين لمهرجان القرين الثقافي بدولة الكويت الشقيقة، وقد تمتع هذا الملتقى بأهمية كبيرة مستقاة من كوكبة المثقفين الذين شاركوا في فعَّالياته، ومن الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها المهرجان أيضاً؛ أنه يُعَدُّ أحد المعالم الأساسية للمشهد الثقافي العربي، وهو يحظى باهتمام رسمي كبير في دولة الكويت، وقد استطاع المهرجان، الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تعزيز مكانته واحدةً من أهم الفعَّاليات الثقافية العربية. ويسهم المهرجان عبر ندوته الرئيسية سنوياً في بحث قضايا مفصلية ومهمَّة في المشهد الثقافي بأبعاده المختلفة، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الحضارية.
ويبدو العالم العربي، خلال المرحلة الراهنة، في حاجة ماسَّة إلى ترسيخ الثقافة المدنية بالنظر إلى وجود العديد من المشكلات المستعصية التي لن تُحَلَّ إلا بوجود ثقافة مدنية، ويتمثل أبرز هذه المشكلات فيما يعانيه العالم العربي حالياً من انتشار لافتٍ للنظر للأفكار المتطرّفة والظلامية، التي تقدم تفسيرات متشددة وغير عقلانية للنصوص الدينية، وكذلك ما تعانيه أكثر من دولة عربية من تصاعد للولاءات دون الوطنية القائمة على العرق أو المذهب، والتي تفتُّ في عضد الدولة الوطنية، وتحول دون تأسيس دول قوية في العالم العربي، فضلاً عن أزمة المشاركة في الحياة العامة في الكثير من الدول العربية، وما تعنيه من الانسحاب من المجال العام.
وفضلاً عمَّا يعنيه ترسيخ الثقافة المدنية في العالم العربي من مواجهة جد مطلوبة للأفكار المتطرفة والولاءات دون الوطنية؛ فإن ترسيخ هذه الثقافة يُعَدُّ ضرورة حيوية لعملية التطوير الديمقراطي ودعم المشاركة السياسية؛ حيث إن الثقافة المدنية تعد الركيزة الأساسية لدعم عملية المشاركة في الحياة العامة بشكل عام وتنمية المهارات المجتمعية للفرد. كما أن ترسيخ الثقافة المدنية يُعَدُّ بمنزلة حائط صد قوي للدفاع عن هويتنا العربية في مواجهة ما يتهدد هذه الهوية من أخطار كبيرة خلال المرحلة الراهنة، التي تواجه فيها الثقافات الفرعية، ومنها الثقافة العربية، تحديات كبيرة من الثقافات المهيمنة على الصعيد العالمي.
وممَّا لا شك فيه أن ترسيخ الثقافة المدنية، التي تقوم على أسس عدة، أبرزها التسامح والتعايش السلمي واحترام الاختلافات، وقبولها بصفتها جزءاً أصيلاً من تكوين المجتمع القائم على التعددية العرقية والدينية والمذهبية والفكرية، يُعَدُّ ضرورة مطلقة، وعلى الدول العربية أن تسعى جاهدة إلى ترسيخ الثقافة المدنية من خلال العديد من الأدوات، ومنها دعم منظمات المجتمع المدني، وتوفير الفرص المناسبة لتفعيل دورها في المجتمعات العربية؛ لأن تفعيل دور المجتمع المدني يُعَدُّ مدخلاً مهماً لتكريس ثقافة التعددية ونشر قيم التعايش وقبول الآخر.
إن العالم العربي، الذي يعيش مرحلة ليست هي الأفضل في تاريخه الحديث، في حاجة ملحَّة إلى ترسيخ الثقافة المدنية؛ لأنها الشرط الرئيسي لاستعادة الدولة الوطنية، التي تعد بمنزلة درع قوية لمواجهة التيارات المتطرفة، والولاءات دون الوطنية التي تفسح المجال أمام المزيد من فرص إضعاف الدول العربية، التي يعاني أغلبها أزمات كثيرة ومعقدة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات