الافتتاحية: تدخلات إيران في الشأن العربي تستحق الإدانة

  • 30 يونيو 2020

لا تفتأ إيران تتدخل في العالم العربي، وتحرص على دسّ أنفها في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشؤونه الداخلية والخارجية، متجاهلة في ذلك كلّ المساعي العربية الدائمة والمخلصة لإقامة علاقات حُسن جوار معها، تقوم على التعاون لما فيه صالح الجانبين وخير شعبيهما، وعلى قاعدة احترام كل طرف سيادة الطرف الآخر واستقلاله، وتجنب كل ما قد يزعزع استقراره وأمنه القومي، باعتبار أنهما شريكان في إقليم واحد يضمّ ثروات وخيرات كبيرة، وميزات متعددة ومتنوعة ستحقق، إذا ما أحسِن استغلالها وتوجيهها، أفضل مستويات الحياة لشعوبه، وستجعل منه مثالاً يحتذى به في الازدهار والتنمية.

غير أن النظرة التوسعية لنظام الولي الفقيه الذي لا يزال ساسته ومنظّروه ومسؤولوه محكومين بأوهام تصدير الثورة ومسكونين بأحلام النفوذ وأطماع التوسع، تنعكس بشكل مباشر على الأداء السياسي للدولة، وعلى سلوكها تجاه جيرانها العرب الذي عادة ما يتسم بالعدوانية، ويعمل على إثارة القلاقل، ويسعى إلى بث الفرقة والفتنة بين أبناء المجتمع الواحد، من خلال العزف على وتر الطائفية البغيضة التي يحرص على تكريسها، مستغلاً في ذلك إما طموحات المغمورين الساعين وراء تحقيق مكاسب شخصية ولو كان ذلك على حساب شعوبهم وأوطانهم، أو جهل آخرين وسذاجتهم وتغييبهم للعقل والمنطق.
والشواهد على السلوك الإيراني المعادي للأمة العربية كثيرة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وهي لا تقبل التأويل ولا تحتاج إلى التفسير، إذ إن كل الدول العربية بالنسبة إلى حكام طهران وملاليها هي مشاريع لساحات نفوذ وأطماع، إما حاضرة أو مؤجلة، ففي الخليج العربي، المعروف تاريخياً بعروبة ضفتيه شرقاً وغرباً، ما زالت إيران تحتل جزر الإمارات الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وترفض الحلول المطروحة كافة لحل هذه المشكلة سلمياً، إما عن طريق التفاوض الثنائي، أو عبر اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وتصرّ على الاستمرار في زعزعة أمن الخليج واستقراره، وتهديد سلامة وانسيابية حركة الملاحة فيه، على الرغم من إدراكها التام أهميته شرياناً وعصباً للتجارة العالمية، وبالذات فيما يخص الصادرات النفطية التي تشكل ركيزة أساسية من ركائز اقتصادات دول المنطقة، بما في ذلك إيران نفسها.

وعلى امتداد الساحة العربية تعبث أذرع إيران، بشكل مباشر وفجّ أو غير مباشر، باستقرار الأوطان وبمقدرات شعوبها، كما هي الحال في سوريا التي لا تكاد تخلو فيها مدينة من بصمات أذى ميليشياتها الطائفية التي أهلكت الحرث والنسل، وارتكبت من الفظائع ما يندى له جبين الإنسانية ويخجل منه أعتى طواغيت التاريخ.. إلى العراق الذي ما زالت تتعامل معه باعتباره حديقة خلفية لها وتعمل بمناسبة وغير مناسبة على تأجيج الفرقة والطائفية والكراهية بين أبنائه وتنتهك سيادته وتتخذ منه ساحة لمناكفاتها ومغامراتها السياسية والعسكرية، وتواصل نشر الفوضى فيه عبر تزويد وكلائها وتابعيهم من الميليشيات بالأسلحة، وتحريضهم على التمرد على الدولة والقانون، علاوة على ممارساتها التخريبية في لبنان عبر تابعها ووكيلها حزب الله الذي بات يشكل دولة داخل الدولة، ويدفع البلاد نحو عزلة دولية غير مسبوقة.. وفي اليمن من خلال وكيلها الانقلابي، ممثلاً في جماعة الحوثي الإرهابية.

ما يثير الاستغراب أن ممارسات طهران هذه تتم وتتواصل في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى تعاون جيرانها وتعاطفهم معها في ظل ما تعانيه من ضغط دولي وحصار وعقوبات أمريكية تكاد تخنق أنفاسها، وتجفف مواردها الاقتصادية، ومن حالة سخط وغضب شعبي داخلي يكاد يصل حد الانفجار بسبب تقديم ملفات العسكرة وإدارة الصراعات على ملفات التنمية وتطوير الاقتصاد؛ ما نتج عنه تدني المستوى المعيشي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

إدانة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، خلال استقباله براين هوك، الممثل الأمريكي الخاص بشؤون إيران وكبير مستشاري السياسات لوزير الخارجية الأمريكي، تدخلات إيران وحلفائها المستمرة في شؤون الدول العربية تأتي لتضع النقاط على الحروف، ولتؤكد موقف دولة الإمارات الرافض لأي تدخل من أي طرف في الشأن العربي مهما كانت ذرائعه وأسبابه، وهو ما يتطلب من طهران إعادة النظر في نهجها، وتقويم سلوكها؛ علّها تتمكن من العودة عضواً صالحاً في المجتمع الدولي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات