الافتتاحية: تحديات أمن الخليج والحاجة إلى تنويع التحالفات الدولية

  • 24 فبراير 2020

تواجه منطقة الخليج العربي تحديات غير مسبوقة على مختلف الصعد الأمنية والاقتصادية والسياسية والبيئية وحتى الاجتماعية والثقافية؛ وقد أظهرت التطورات التي حدثت خلال الأعوام القليلة السابقة خطورة هذه التحديات؛ حيث تتنوع مصادرها وتتداخل العوامل المؤثرة فيها؛ وهو ما يستدعي النظر في آليات جديدة أكثر فاعلية للتعامل مع التهديدات الجديدة، وخاصة في ظل وجود فواعل غير عقلانية تقوم بممارسات غير محسوبة قد تدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية ما لم يتم التعامل معها بحكمة وعقلانية، وفي الوقت نفسه بحزم وجدية. فاستهداف السفن التجارية، ومهاجمة مصادر الطاقة الحيوية بشكل سافر، يعد من التطورات الخطيرة التي تتطلب من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تنسيقاً وموقفاً موحداً أكثر فاعلية حتى تتمكن من الاستجابة للتهديدات المشتركة المتفاقمة، وفي الوقت نفسه النظر في طبيعة التحالفات القائمة ومدى فاعليتها وربما قدرتها على ردع القوى والدول المعتدية. وفي هذا السياق عُقدت اليوم في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ندوة «أمن الخليج: التحديات وآفاق المواجهة»، التي شاركت فيها نخبة من الخبراء المحليين والإقليميين والدوليين، حيث ناقشوا مجموعة من المحاور التي تتركز حول الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج، والتحديات التنموية التي تواجه دول المنطقة، ومن ثم البحث في فرص الاستقرار الإقليمي والدبلوماسية الدفاعية، وقد خرجت الندوة بتوصيات مهمة.
لا شك أن التهديدات التي تواجه أمن الخليج العربي ليست جديدة، ولكنها متفاقمة وربما أكثر خطورة من أي وقت مضى، لاعتبارات عدة من بينها:
أولاً، تنوع مصادر التهديد؛ فبالإضافة إلى إيران التي تعد تاريخياً، ولا تزال، أكبر تهديد لأمن الخليج، حيث زادت من تدخلاتها السافرة، وتواصل اتباع سياسات مدمرة، هناك أيضاً مصادر تهديد أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، حيث خطر الإرهاب والجماعات المتطرفة قائم، وبشكل أكثر خطورة، وخاصة مع إمكانية أن تمتلك هذه الجماعات أسلحة متطورة، بما فيها الصواريخ الباليستية، والطائرات من دون طيار، التي يمكن أن تنفذ عمليات إرهابية وتستهدف المدن والمواقع الحيوية، بشكل يصعب التنبؤ به، والأهم وقفه قبل حدوثه. وما العمليات التي قامت بها جماعة الحوثي التي تتبع إيران إلا مثال على مدى الخطورة التي يمكن أن تشكّلها مثل هذه الجماعات على أمن واستقرار وتنمية دولة المنطقة.
ثانياً، عدم وجود موقف أو تقييم خليجي موحد لمصادر التهديد هذه، والخلاف حول كيفية التعامل معها؛ فلا نستطيع أن نتجاهل أن الأزمة الخليجية، وبرغم الأسباب الموضوعية المختلفة التي أدت إليها، تعكس في أحد أهم جوانبها اختلافاً ليس في تقييم التهديدات القائمة أو طبيعتها فقط، وإنما في طريقة التعامل معها أيضاً، حيث نجد مسارات متناقضة أحياناً. ولهذا، لا يخفى أهمية وجود موقف خليجي موحد للتعامل ليس مع الخطر الإيراني فقط وإنما مع التهديدات المختلفة التي تأتي من دول ومناطق نزاع أخرى أيضاً، ولها انعكاسات سلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.
ثالثاً، التحول في التحالفات الإقليمية والدولية؛ التي تجعل من غير المجدي الاعتماد على تحالفات معينة؛ فكما هو معروف، اعتمدت دول الخليج طويلاً على تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبرغم قوة هذا التحالف تاريخياً، فقد شهد في الأعوام القليلة الماضية، ليس في فترة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما فقط، وإنما خلال فترة ترامب أيضاً، تحولاً لافتاً للنظر، فبرغم التأكيدات التي يكررها المسؤولون الأمريكيون بشأن التزام بلادهم بأمن حلفائها في المنطقة، فقد أظهرت الأحداث، ووفقاً للكثير من المراقبين، ضعفاً في هذا الالتزام؛ فما تعرضت له الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الدولية، ومن بعده الهجمات غير المسبوقة على شركة أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، وغيرهما من الأحداث، يؤكد أن الاعتماد على التحالف مع أمريكا ليس كافياً من أجل ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة؛ بل لا بد من تنويع التحالفات، وفقاً لقاعدة المصالح، وبالضرورة مصداقية الالتزامات والتعهدات.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات