الافتتاحية.. الملايين مهددون بالفقر والجوع فأين الإنسانية؟

  • 23 أبريل 2020

تتواصل تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد كوفيد-19 على كل القطاعات ومختلف فئات وطبقات المجتمع في كل دول العالم، حتى الغنية منها؛ ولكن أكثر الفئات التي كانت تأثيراته كارثية عليها هم الفقراء والأقل حظاً؛ حيث تحدثت مؤخراً تقارير دولية عن أرقام مفزعة جداً، فيما يتعلق بمضاعفة أعداد من هم تحت خط الفقر في العالم؛ حيث توقع تقرير صادر عن أوكسفام، المنظمة الدولية غير الحكومية التي تعمل على مكافحة الفقر في العالم، تقول فيه إن نصف مليار إنسان يمكن أن ينضموا إلى القائمة، بل وربما نصف سكان العالم البالغ عددهم 7.8 مليار نسمة، إذا ما استمرت الجائحة طويلاً؛ والأكثر خطورة تقرير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة الذي حذر من وقوع «كارثة إنسانية عالمية» من جراء الوباء، وقال إن تفشي الفيروس يمكن أن يؤدي إلى تضاعف عدد المهددين بالمجاعة في العالم ليبلغ «أكثر من 250 مليون شخص في نهاية 2020». وهذا يعني أن هناك ما يزيد على ربع مليار إنسان يتهددهم الجوع والموت من جراء تفشي الفيروس القاتل؛ ويأتي هذا التقرير بينما تتزايد أعداد المصابين حول العالم بشكل متسارع حيث تجاوزت المليونين والنصف، وأعداد الوفيات التي تعدت 180 ألفاً. وهناك مخاوف حقيقية من أن يتفشى الفيروس في الدول الأكثر فقراً وخاصة في إفريقيا حيث تحدث تقرير أممي أيضاً عن خطورة ذلك وإمكانية أن يؤدي بحياة الملايين في القارة التي تعاني أصلاً أوضاعاً اقتصادية صعبة للغاية، وتردياً بل وضعفاً كبيراً في الخدمات الصحية حتى قبل ظهور الفيروس.
هذه التقارير المفزعة تجعلنا بالفعل ندق ناقوس الخطر؛ حيث ستتراجع الجهود الدولية لمكافحة الفقر عقداً أو أكثر من الزمن، وستتضاعف أعداد الفقراء والجوعى بل وحتى الموتى، ما لم يكن هناك تحرك سريع على كل المستويات الوطنية والدولية؛ فعلى المستوى الوطني يجب على كل الدول أن تواصل الجهود الرامية إلى الحد من تفشي الفيروس، بما فيها مواصلة الإجراءات الاحترازية التي تتطلب تضحية من كل أفراد المجتمع؛ ولكن من المهم أيضاً التوازن في الإجراءات، بحيث تضمن حماية الأفراد من العدوى وهو الأولوية قطعاً، باتباع إجراءات صارمة؛ وفي الوقت نفسه تسهل حياة الناس وضمان الاستقرار الوظيفي سواء في القطاع العام أو الخاص؛ وكذلك تقديم حزم دعم واسعة خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة؛ وللفئات الأكثر تضرراً وخاصة العمال؛ وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً يحتذى به بالفعل في هذا السياق، حيث حظيت الإجراءات التي اتخذتها بإشادة دولية؛ وقد أثبتت مقاربتها نجاحاً كبيراً؛ بينما لم تتخلَ الدولة عن دورها الإنساني، حيث واصلت دعم كل الجهود العالمية لمكافحة الفيروس وقدمت مساعدات لعشرات الدول، في الوقت الذي تخلت فيه دول عظمى عن دورها القيادي والأخلاقي.
أما على المستوى العالمي، فلا بد من أن تُظهر الإنسانية في هذه الظروف العصيبة أفضل ما لديها؛ حيث يجب على الدول جميعاً وخاصة الكبرى منها التعاون بشكل أوثق والتخلي عن الأنانية التي اتسمت بها سياسة بعض الدول، ما تسبب في حالة من الإرباك على المستوى العالمي؛ وهنا يعد قرار مجموعة العشرين الأخير بضمان توفير المواد الغذائية عالمياً بأسعار معقولة خطوة في الاتجاه الصحيح ولكنها تحتاج إلى آليات والتزام. كما يجب على الدول، الغنية أيضاً، تقديم دعم أكبر للدول المتضررة ومساعدة الدول الفقيرة في جهودها لمكافحتها للفيروس قبل أن يستفحل وينتشر فيها وتكون عواقبه كارثية على الجميع.
ولا يجب أن تقتصر جهود مواجهة تداعيات تفشي الفيروس على الدول أو المنظمات الحكومية سواء التابعة للأمم المتحدة أو تلك التي تضم دولاً أو مناطق معينة؛ بل يجب على القطاع الخاص أن يضحي ويتعاون بشكل وثيق مع القطاع العام بهدف التخفيف من تداعيات الفيروس الاقتصادية، وخاصة فيما يتعلق بحماية حقوق الموظفين؛ كما أن على الأغنياء في العالم دوراً محورياً الآن فهذه فرصة لأن يسهموا بدورهم ويضعوا بصمتهم في هذا الظرف التاريخي الذي يتعلق بمصير البشرية كلها، ليس من خلال برامج ومبادرات خاصة فقط؛ وإنما دعم البرامج والجهود الحكومية أيضاً التي تسهم في تخفيف التداعيات الاقتصادية والاجتماعية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات