الافتتاحية: المجتمع الدوليُّ مُطالب بوضع حدّ لغطرسة أردوغان

  • 16 أغسطس 2020

ليبيا والعراق وسوريا واليونان، والقائمة لا تنتهي عند هذه الدول، التي يستمر النظام التركي في انتهاك سيادتها، وسَلب مقدَّراتها ونهبها، والتسبب بالكثير من المظاهر التي يهدف من خلالها -بتوجيه من رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي- إلى زعزعة الأمن والاستقرار فيها، وهو لا يأبه لأدنى معايير العلاقات السلمية والدبلوماسية معها، ويصرُّ على مواصلة التعدّي على كل الخطوط الحمر التي ينتهك فيها أبسط المعايير الدبلوماسية في العلاقات مع الدول.

وهذه الغطرسة، التي يمارسها النظام التركي، تلقى اليوم استهجاناً ورفضاً على جميع المستويات؛ حيث أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، خلال اتصال هاتفي أجراه قبل أيام مع معالي نيكوس دندياس، وزير خارجية جمهورية اليونان، رفض أي إجراءات تُهدد الاستقرار في منطقة شرق البحر المتوسط، وأهمية احترام أحكام القانون الدولي وقواعده، مقدِّماً سموه التهاني إلى دندياس؛ بمناسبة توقيع اتفاق تعيين الحدود البحرية مع جمهورية مصر العربية، بصفته اتفاقاً مهماً في تحقيق الاستقرار في المنطقة، ولاسيما في ظل الاستفزازات التركية، التي تمثّلت مؤخراً بإرسال سفينة «عروج ريس» إلى سواحل جزيرة «كاستيلوريزو» اليونانية للتنقيب عن الغاز والنفط، الأمر الذي يضع المنطقة تحت وطأة توتر شديد.

والتمادي التركي، الذي توسَّع في «شرق المتوسط» لم يتوقف عند هذا الحدّ؛ فأردوغان يواصل ضرب كل معايير احترام السيادة والاستقرار في العراق الشقيق؛ وذلك بعد قصف الأراضي العراقية مؤخراً في سيدكان، المنطقة التابعة لمحافظة أربيل في إقليم كردستان العراق بطائرة تركية مُسيَّرة؛ ما تسبَّب بمقتل ضابطين وجندي من القوات المسلحة العراقية؛ وهو ما علَّق عليه الدكتور أنور محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، بقوله: «نقف مع العراق الشقيق في مواجهة الانتهاكات التركية المستمرة لسيادته»، مؤكداً معاليه أن «موقفنا ثابت برفض التدخلات الإقليمية في الشأن العربي؛ فالعلاقات السويَّة بين الدول يجب أن تقوم على الاحترام الكامل للسيادة، وعدم التدخل في الشأن الداخلي»، وهو ما ينسجم مع «الخارجية» العراقية، التي قالت: «إن هذا العمل خرقٌ لسيادة البلاد وحرمتها»، وإنها لن تسمح باستخدام أراضي العراق مقراً أو ممراً لإلحاق الضرر بدول الجوار، أو بأن يكون ساحة للصراعات وتصفية الحسابات.

أما ليبيا؛ فهي قصة أخرى تشير إلى بشاعة التجاوزات التركية في أراضيها؛ إذ تواصل أنقرة تعزيز وجودها في منطقة غرب ليبيا؛ فهي لم تُوقف عملية نقل المعدات العسكرية إلى الأراضي الليبية، وأردوغان لم يُعِر المطالب الدولية بحظر نقل السلاح إلى ليبيا أي اهتمام، ويواصل نقل المعدات العسكرية بالطائرات والسفن التجارية؛ حتى إن «معسكراتٍ عدَّة في غرب ليبيا أصبحت تحت سيطرة القوات التركية، ويديرها مباشرةً ضباط أتراك»، كما قال اللواء أحمد المسماري، الناطق باسم الجيش الوطني الليبي. وفضلاً عن ذلك، لم يتوقّف نظام أردوغان عن إرسال مرتزقته بعد تدريبهم؛ للقيام بعمليات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار على الأرض الليبية وبين شعبها.

وسوريا الجريحة واجهت هي الأخرى من التدخلات التركية ما يكفي؛ فأنقرة تريد فرض سيطرتها على الشمال السوري، وتغيير البنية الديمغرافية فيه حتى لا يبقى هناك كردي واحد، ولها فيه أطماع تاريخية. وحلم أردوغان بالتوسع جعل الأبرياء في هذه المنطقة يدفعون ثمنه غالياً؛ فالسلاح التركي حاضر لتنفيذ مهام القتل في سوريا، والعمليات العسكرية التي نفَّذها ضد الأكراد تصل إلى مستوى جرائم الحرب، وممارساته التي زعزع فيها أمن سوريا واستقرارها؛ أدخلتها في دوامة من الصراعات المسلحة.

إن تحركات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا نحو إعداد قائمة عقوبات أوروبية ضد شركات تركية؛ لتهريبها أسلحة ومرتزقة إلى ليبيا، في محاولة للتصدي لتهديدات أردوغان العدوانية وأطماعه التوسعية، كما تؤكد تقارير، تستدعي من المجتمع الدولي كلّه اتخاذ موقف مشابه يضع النظام التركي عند حدّه، ويوقف تدخلاته وتحركاته التي تزعزع الاستقرار والأمن في المنطقة والإقليم، وكذلك حثّه على التفرغ لحلّ مشكلات بلاده الداخلية؛ فتركيا الآن أحوج ما تكون إلى انتشال مواطنيها من أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ وأمنهم المعيشي والصحي هو ما يجب أن يلتفت إليه أردوغان اليوم، ولا شيء غير ذلك.

Share