الافتتاحية: الكراهية لا «كورونا» هي الوباء الحقيقي

  • 11 مارس 2020

في الوقت الذي تمثل فيه قيم التسامح والتعايش والانفتاح على الثقافات الأخرى وقبول الآخر الأساس المتين لبناء مجتمعات قوية، فإن الكراهية هي العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى هدم المجتمعات وتخريبها، ويبدو العالم في اللحظة الراهنة في أمسّ الحاجة إلى التعاضد والتضامن في مواجهة خطر طارئ نشر الرعب والفزع في قلوب الجميع، يتمثل في أزمة فيروس كورونا الجديد «كوفيد 19»، التي تتصدى لها الهيئات الصحية الدولية والمحلية، وتمتد آثارها لتطال الاقتصادات حول العالم، لكن ضريبتها على المجتمعات والإنسان أكثر وطأة؛ ذلك أن الثروة البشرية التي تمتلكها المجتمعات المختلفة هي الثروة الأثمن والأكثر أهمية بشكل لا يقارَن مع أي ثروات أخرى.
وقد أكدت اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، في بيان لها، أنه في الوقت الذي يقول فيه العلماء إن فيروس كورونا الجديد يصيب الجهاز التنفسي للإنسان، إلا أن الإصابة الحقيقية التي نخشاها جميعاً هي تلك العدوى التي تصيب إنسانيتنا في صميمها عندما نغمض أعيننا عن معاناة إخوتنا، وننطلق في حملة التنميط العنصري التي لن تنقذ أحداً من العدوى، بل على العكس تماماً، ستؤدي إلى شلل لا ينفع معه بعدها دواء. وقالت اللجنة إن الاختبار الحقيقي الذي يقف أمامه العالم اليوم ليس مدى جاهزية الأنظمة الصحية أو البنى التحتية، بقدر ما هو اختبار لإنسانيتنا ومنظومة الأخلاق التي تحكمنا، مضيفة أن الذعر من كورونا الجديد امتد ليصبح أخلاقياً وقيمياً، نحتاج جميعاً إلى أن نتوقف عنده، ونمنع انتشاره، ونصححه بقوة؛ أكثر ربما من قوتنا في محاربة الفيروس.
ولقد تنبهت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الأهمية الحاسمة لنشر قيم التسامح والتعايش، وتعزيز قيم الانفتاح وقبول الآخر ومحاربة قيم الكراهية والتعصب، فأصدرت العديد من القوانين لتحقيق هذه الأهداف، ونشير في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أنه وفي يوليو 2015 أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، مرسوماً بقانون رقم 2 لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية. ويهدف القانون إلى إثراء ثقافة التسامح العالمي، ومواجهة مظاهر التمييز والعنصرية، أياً كانت طبيعتها؛ عرقية، أو دينية، أو ثقافية. ويقضي القانون بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة أشكال التمييز كافة، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير. ويحظر القانون التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين، أو العقيدة، أو المذهب، أو الملة، أو الطائفة، أو العرق، أو اللون، أو الأصل. كما يجرم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات، أو شبكات التواصل، أو المواقع الإلكترونية، أو المواد الصناعية، أو وسائل تقنية المعلومات، أو أي وسيلة من الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وذلك بمختلف طرق التعبير؛ كالقول، أو الكتابة، أو الرسم. وفي ظل هذه الجهود الدؤوبة التي بذلتها دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق، أصبحت الدولة نموذجاً يحتذى به بصفتها مجتمعاً متسامحاً استطاع أن يحتضن أبناء أكثر من 200 جنسية يعيشون في وئام وسلام.
والحاصل أن فيروس كورونا الجديد، كغيره من الأزمات الصحية التي شهدها العالم، سينحسر في النهاية، كما تقول اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، ولكن علينا أن نتأكد من أن آثاره على الإنسانية تتم معالجتها والوقاية منها في المرات المقبلة. فلا يمكن أن نقبل مثلاً بالعنصرية وكره الأجانب، وتوظيف المرض في إنتاج أفكار أكثر مرضاً، ولغة كريهة في سياق تبرير غضبنا وخوفنا من الآخر، كما تؤكد اللجنة التي تقول إن الوباء الحقيقي هو الكراهية، وينبغي علينا أن نقلق على صحة أبنائنا من الأفكار الملوثة، والإصابات الخطيرة للقيم والمجتمعات، تلك التي تستعصي على المضادات واللقاحات، وهي أشد فتكاً من الجراثيم والفيروسات، وهذا قول بالغ الدقة والعمق في آن واحد.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات