الافتتاحية: العنصرية ورواسبها التاريخية

  • 31 مايو 2020

ظننا والكثير من الناس حول العالم أن العنصرية أصبحت جزءاً من الماضي خاصة في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر-أو هكذا ترى نفسها- قائد العالم الحر أو المتحضر. ولكننا نكتشف أننا مخطئون، ليس لأن هناك أحدثاً عنصرية تظهر بين الحين والآخر ضد أصحاب البشرة السمراء أو أولئك الذين ينحدرون من أصول غير غربية، عربية كانت أم لاتينية؛ ولكن لأن العنصرية في الحقيقة من رواسب «الحضارة» الغربية وهي مكون عميق من مكونات الفكر الأوروبي؛ وهذا بالطبع لا يعني أن العنصرية غير موجودة لدى الأمم والشعوب والأعراق الأخرى حتى يومنا هذا؛ بل هي أشد كما نراها في الصين والهند والكثير من الدول التي كانت ضحية العنصرية يوماً ما، وهي تمارسه بشكل فاضح ضد أعراق وديانات أخرى. كما أن هذا لا يعني أنه لا توجد عنصرية لدينا نحن العرب؛ بل هناك عنصرية حتى بين أبناء الشعب الواحد، لها مظاهر مختلفة لا مجال لذكرها هنا. ولكن التركيز منصب على العنصرية في الغرب عموماً وعلى الولايات المتحدة خصوصاً، التي تعد رمز الحضارة الغربية؛ بل رائدة الفكر الحر الذي لا يمكن أن ينسجم بأي شكل مع التفكير العنصري.
وبعيداً عن الجدل العقيم حول ما يمكن أن يسمى حضارة أو مدنية، فإن العنصرية في الواقع ليست جديدة في التاريخ الإنساني؛ بل ظهرت على الأرض مع ظهور الإنسان عليها؛ ولكنها نشأت كفكر ومكون مجتمعي في الطبيعة الإنسانية في الحضارة الغربية ومنذ زمن بعيد؛ فقد كان الرومان ينظرون إلى غيرهم سواء كانوا من البيض (مثل التراقيين وسط وشرق أوروبا) أو السود الذين كانوا يجلبون إليها من إفريقيا كعبيد. وفي العصور الوسطى سادت العنصرية حتى بين الأمم الأوروبية نفسها، بينما أصبحت محركاً أساسياً في حركتهم الاستعمارية للسيطرة على الشعوب والأمم الأخرى؛ وقد برزت مظاهر هذه العنصرية بشكل بغيض في الكثير من الدول التي استعمرت، وأمثلة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وكذلك «إسرائيل» ليست ببعيدة.
ومع بداية اكتشاف أمريكا أصبحت الولايات المتحدة تدريجياً بؤرة تفشي العنصرية، حيث تم جلب السود للعمل والسخرة لبناء دولة سلبت من أصحابها الأصليين لأنهم أيضاً- أو هكذا كان ينظر إليهم من قبل البيض- على أنهم أعراق دونية- وهذا أمر موجود في الأدبيات الغربية؛ فكان لا بد من سحقهم؛ وقد أصبحت العبودية، أبرز مظاهر العنصرية في العالم الجديد، جزءاً أساسياً من تركيبة الدولة، اجتماعياً وسياسياً؛ فكان كل شيء حكراً على البيض، وبقيت العنصرية محركاً أساسياً لنظرة العالم «المتحضر» للسود؛ ووصلت إلى مستويات غير إنسانية بالمطلق، حيث كان على الأسود رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً، أن يقف في الصفوف الأخيرة للحافلات، ولا يجلس وهناك أبيض واقف؛ حتى تمكنت حركة الحقوق المدنية منتصف الستينيات من إجبار المشرعين الأمريكيين على إلغاء القوانين الكثيرة التي تميز على أساس العرق واللون والدين والجنس والأصل القومي.
ولكن هذه التغييرات الجذرية لم تمنع من استمرار العنصرية؛ لأسباب كثيرة، من بينها لا شك الطبيعة البشرية نفسها والتي يصعب التحرر منها برغم القوانين؛ ولكن من أهمها أيضاً الترسبات التاريخية الموروثة من الفكر الجمعي الأمريكي؛ والتي اعتقد الكثيرون أنها تلاشت بعد انتخاب رئيس من أصول إفريقية، في سابقة عالمية، ولا شك أنها من الصعب أن تحصل خارج الولايات المتحدة. وهنا، لا يمكن أن نعزل حادثة مقتل الرجل الأسود على يد شرطي أبيض بشكل همجي في «مينيابوليس» عن هذا الفكر؛ فقد أظهرت الحادثة التي تكررت كثيراً، أن العنصرية ما زالت موجودة ليس فقط لدى الشرطة التي لا يحتاج المرء إلى أدلة أو تحقيق لإثبات أنها تأخذ طابعاً ممنهجاً، وإنما أيضاً لدى الكثير من الأمريكيين البيض؛ وهناك العديد من مظاهر العنصرية التي لا تأخذ بالضرورة شكلاً عنيفاً؛ حيث رأيناها في الكثير من التصرفات وحتى السياسات بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر؛ وربما يكون ظهور الرئيس دونالد ترامب نفسه من تجلياتها؛ فقاعدته الشعبية من اليمين الذي وإن كان يرفض في المجمل العنصرية في خطاباته، ولكن لا يمكنه إخفاءها في الكثير من أفعاله؛ لأنها في الواقع رواسب تاريخية ليس من السهل على المرء التخلص منها، حتى ولو وجدت قوانين رادعة، ما لم يكن لديه إيمان عميق بوحدة الجنس البشري والأخوة الإنسانية؛ وهو إيمان لا يبدو أنه يكتمل ما لم يكن مصدره ربانياً حقيقياً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات