الافتتاحية: العنصرية تهديد جوهري للديمقراطية

  • 9 يونيو 2020

تعتبر الديمقراطية أحد أهم الإنجازات التي تمخض عنها الفكر السياسي الحديث، لأنها خلّصت الشعوب من عصور طويلة من الظلم والاستبداد والتسلط الذي كانت تمارسه الطبقات الحاكمة فيما قبل عصر النهضة، ومكّنت الإنسان من أن يشارك بشكل فاعل في صناعة القرار السياسي في وطنه، وأعادت له الكثير من الحقوق التي كانت قد سلبت منه تحت ذرائع كثيرة وبحجج ارتبطت بظروف غالباً ما كانت مؤقتة وتم استغلالها لترسيخ حالات الديكتاتورية والتفرد بالسلطة والقرار، الأمر الذي يعني أن الإخلال بها والاعتداء عليها سيشكل، بلا شك، انتكاسة فكرية وأخلاقية للإنسانية جمعاء.
وإذا ما حاولنا إحصاء التضحيات التي قدمتها شعوب العالم للوصول إلى ما تحقق لها اليوم، فإننا سنجد أنفسنا أمام أرقام كبيرة من الضحايا الذين قدّموا أرواحهم على مذبح الديمقراطية التي تقترن اقتراناً مباشراً ووثيقاً بالحرية الفردية والمجتمعية، وبتمكين الإنسان من ممارسة خياراته وقناعاته، وبأن يكون للشعوب دور في ضبط بوصلة السلطة ومنع السياسيين من التجاوز على مصالحها، وأمام أرقام أكبر كذلك من أولئك الذين أفنوا أعمارهم أو جلّها دفاعاً عن مبادئ الديمقراطية وسعياً وراء تحقيقها لشعوبهم ورفضاً للظلم والجور والتهميش.
كل هذه التضحيات والنضالات التي خاضها هؤلاء جاءت لإقامة وإرساء قيم ومبادئ الديمقراطية التي أصبحت أمراً مصطلحاً عليه ومتفقاً بشأنه بين كل شعوب العالم المتحضر، والتي تشمل: التسامح السياسي وسيادة القانون، وحرية التّعبير والمساءلة والشفافية، واللامركزية وترسيخ مؤسسات المجتمع المدني، وهي جميعاً مبادئ وقيم تنعكس بشكل إيجابي على مستوى الحياة وعلى معدلات الرضا والسعادة في المجتمع وتسهم في تعزيز الروح الوطنية لدى الأفراد، وتعميق الانتماء في نفوسهم، ومن ثم رفع معدلات عطائهم وإنتاجهم وانخراطهم في جهود النهضة والتنمية المستدامة، فضلاً عن الارتقاء بثقافة المجتمع وهو ما يرفع معدلات الالتزام بالقوانين والأنظمة ويقلل الحاجة إلى تدخل السلطات والأجهزة الحكومية في العديد من جوانب حياة الناس.
ومما لا يُختلَف عليه عند الحديث عن الديمقراطية، أن المساواة بين أبناء الشعب الواحد والمحافظة على تكافؤ الفرص بينهم وتحقيق العدالة في الحقوق الممنوحة لهم والواجبات الملقاة على عاتق كل منهم تشكّل واحدة من أهم ركائزها وعنصراً أساسياً، سواء في التنظير لها أو في تطبيقها واقعاً على الأرض، إذ لا يستوي الحديث عن قيمها واحترامها والدعوة إليها وادعاء تطبيقها مع وجود العنصرية البغيضة والتفريق بين أبناء الشعب على أساس اللون أو العرق أو المعتقد أو غير ذلك من المسائل الشخصية التي ترتبط بأي شكل بالمجتمع في عمومه ولا تؤثر في الآخرين من أفراده ولا تخالف القوانين والأنظمة المعمول بها.
إن الظلم والتفاوت بين أبناء المجتمع، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية، وتغول فئة على أخرى، وإقصاء شريحة من الشعب والتعامل معها على أنها أقل درجة، وبالتالي التقليل من الامتيازات التي تحظى بها مقارنة بغيرها من الشرائح الأخرى، أو الاعتداء على أفرادها وعدم احترام حرمة أرواحهم وممتلكاتهم، هو أبرز صور العنصرية وأكثرها وضوحاً، حيث يتمّ التمييز بين فرد وآخر على أساس لون البشرة أو اختلاف العرق، وبالتالي تقوم طبقة بالتعامل بفوقية واستعلاء مع طبقة أخرى ويسود اعتقاد بأن طبقة ما في المجتمع لا يجب أن تتمتع بما تتمتع به الطبقات الأخرى، وبأن عرقاً أو لوناً أو معتقداً أو فئة من المجتمع بعينها هي الفئة السائدة التي يحق لها دون غيرها تقرير مصير الفئات الأخرى أو التحكم في تفاصيل حياتها أو منحها ومنعها ما تراه مناسباً من الامتيازات، وهو ما يعيد إلى الأذهان عصور الرق والعبودية وامتهان كرامة الإنسان.
إن معايير الديمقراطية وكيفية تطبيقها تختلف من مكان إلى آخر ومن دولة إلى أخرى وترتبط بخصوصية كل مجتمع، إلا أن العالم كله يتفق على مبدأ أن التمييز العنصري وعلى أي أساس كان هو تقويض لأساس من أسسها وهدم لركن من أركانها وتهديد جوهري لوجودها وشر مستطير يهدد ليس بنسفها فقط وإنما بتدمير المجتمع وتقويض دعائم الدول ويقودها نحو الفوضى والغوغائية المدمرة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات