الافتتاحية: العمل الخليجي المشترك ضرورة مُلحّة

  • 1 مارس 2020

تتفاقم الأوضاع الإقليمية والعالمية بشكل غير مسبوق؛ فما تكاد تنتهي أزمة أو بالأحرى يتم احتواؤها، حتى تظهر أخرى؛ فيوماً بعد يوم تتعقد العديد من الأزمات القائمة، كما هو الحال في سوريا وليبيا وبالطبع إيران التي ما زالت، وبرغم كل الدعوات والرسائل الإيجابية التي أبدتها دول الخليج العربية تجاهها، تمثل تحدياً، بل وخطراً حقيقياً على أمن واستقرار المنطقة بأكملها؛ بينما تبرز تحديات ومخاطر جديدة ربما لم تكن في الحسبان مثل فيروس كورونا الذي أظهر أولاً وقبل كل شيء، قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته في هذا الكون وتدبيره له، وثانياً، أن الإنسان، الذي خلقه الله ليكون خليفته في الأرض، هو في الحقيقة، عدو نفسه، حيث يجلب، عندما يخالف الطبيعة والسنن الكونية التي أوجدها خالقه لخدمته، الكوارثَ التي تهدد وجوده؛ وثالثاً، وربما الأهم، هو مدى ضعف الإنسان، بل وحتى البشرية وعدم قدرتها على مواجهة أضأل مخلوقات الله؛ فكل التقدم العلمي، ونظم الدفاع العالمية، تقف عاجزة أحياناً عن مواجهة حتى فيروس.
كل هذا وغيره من التحديات المتعقلة بالتنمية والبيئة والاستدامة والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك، يظهر مدى الحاجة إلى التعاون الجماعي من أجل مواجهة هذه التحديات التي لا يمكن لبلد أن يسلم منها أو من تداعياتها مهما كانت قوته وإمكاناته؛ ومن هنا تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى العمل العربي المشترك، وفي القلب منه العمل الخليجي؛ حيث يبقى مجلس التعاون الخليجي أبرز عمل عربي جماعي مشترك وأكثره نجاحاً على الإطلاق؛ والأهم من ذلك أن لديه المقومات لأن يكون نموذجاً بالفعل على مستوى ليس الوطن العربي فقط، بل العالم الإسلامي، بما حباه الله من إمكانات مادية وبشرية والأهم روحية ودينية، تؤهله لأن يكون قاطرة العالم العربي والإسلامي.
وحتى يقوم بهذا الدور الذي تحتاج إليه الأمة أكثر من أي وقت مضى، فلا بد للمجلس أولاً، أن يستعيد مكانته بصفته مظلة أساسية لكل دول الخليج العربية، وأن يمارس دوره في مواجهة الأزمات التي تعانيها المنطقة، والتحديات المشتركة التي تواجه كل دولها؛ فالأحداث اليومية التي تمر بها المنطقة، والتطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم، تفرض بالفعل مقاربة أكثر واقعية؛ أي بلغة أكثر صراحة، براجماتية، من أجل استعادة المجلس بريقه؛ والقيام بواجباته في هذه المرحلة التاريخية، بل وحتى الفارقة، التي تثبت أكثر من أي وقت مضى، وكما كان يؤكد دائماً وأبداً المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن المصير واحد، سواء فيما يتعلق بالإمارات السبع التي يتكون منها الاتحاد الذي يعد أنجح تجربة وحدوية عربية، بل وحتى إسلامية؛ أو مجلس التعاون الخليجي الذي ترتبط شعوبه بتاريخ ودين وعادات ولغة وثقافة مشتركة، قلما توجد في أي منطقة في العالم؛ وهو أيضاً أنجح منظومة عمل عربي مشترك؛ أو على مستوى العالم العربي الذي تربطه مشتركات لا توجد لغيره من الأمم.
وعلى الرغم من التحديات والصعوبات، بل وحتى المعوقات الطبيعية والمصطنعة، فإن الشعوب الخليجية كما العربية متفائلة بأن دوله قادرة على تجاوز المعضلات التي تقف في طريق توحيد مسارها؛ وهناك أمل مشترك، مع تولي أمانة جديدة، أن تتواصل الجهود ويتم تكثيفها من أجل إيجاد مسارات تفاهم حقيقية لحل الأزمة القائمة، وليس تجاوزها؛ إذ لا بد من معالجة جذورها والأسباب التي أدت إليها، بشكل واضح وصريح، حتى لا تتكرر؛ وهذا بالطبع لا يمكن أن يكون بالمكابرة، وإنما بالحوار والمثابرة، حيث، وكما أثبتت الأيام، لا يوجد طريق آخر. ولا شك أن الأمانة الجديدة ستجد، بل ولا بد أن تجد الدعم الكامل من الكل من أجل إعادة اللحمة الخليجية؛ لأن فيها مصلحة حقيقية ليس لشعوب دول المجلس فحسب، وإنما أيضاً للوطن العربي بأكمله؛ فوحدة المجلس ستعزز بالتأكيد من العمل العربي المشترك، سواء كان في إطار الجامعة أو خارجه، وسيكون لها انعكاسات إيجابية على مجمل قضايا وأزمات المنطقة.

Share