الافتتاحية: العرب جادُّون فعلاً في تحقيق السلام مع إسرائيل

مهّد إعلان معاهدة السلام بين دولة الإمارات وإسرائيل التي سيتمُّ توقيعها بعد غد الثلاثاء، الموافق 15 سبتمبر الجاري، الطريق أمام بدء مرحلة جديدة لعملية التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي. وجاء الإعلان، أول من أمس الجمعة، عن معاهدة سلام أخرى بين مملكة البحرين وإسرائيل ليؤكد أن العرب جادُّون في تحقيق السلام مع إسرائيل، وأنهم مستعدون وقادرون على اتخاذ خطوات جريئة لتسوية هذا الصراع الممتدّ منذ نحو سبعة عقود.

وفي الواقع، فإن هذه الرغبة العربية في تحقيق سلام عادل وشامل مع إسرائيل، هي رغبة أصيلة وليست مستحدثة، فقبل ما يزيد على 40 عاماً وقّعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل؛ وفي مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، انخرط العرب بشكل أكبر في محاولة تحقيق تسوية شاملة للصراع مع إسرائيل، وتمّ توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 13 سبتمبر 1993، كما تمّ إبرام معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في 26 أكتوبر 1994.

وتنطلق هذه التوجُّهات، والمساعي العربية الجادة لتحقيق السلام مع إسرائيل من حقيقة مفادُها، أن السلام هو الذي يجب أن يحكُم العلاقة بين مختلف الدول والشعوب، وأن الصراع العربي-الإسرائيلي كانت له تداعياته الكارثية على منطقة الشرق الأوسط، وأنه قد حان الوقت لتسويته حتى يمكن تجاوز هذه التداعيات وتوجيه الجهود إلى التنمية ومواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب الذي يمثل عنصرَ عدمِ استقرارٍ رئيسي لهذه المنطقة التي تتمتع بثقل استراتيجي كبير على خريطة العالم.

بيد أن ما يجب أن يكون واضحاً في الأذهان أن توجُّه العرب إلى السلام مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها لن يكون على حساب حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يكفل تحقيق الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني الشقيق، وعلى رأسها حقه المشروع في تأسيس دولته المستقلّة، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على تأكيده بشكل قاطع في العديد من التصريحات والمناسبات، كان أحدثها ما جاء في كلمة معالي الدكتور أنور محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، التي ألقاها أمام أعمال الدورة الـ 154 – عن بُعد – لمجلس جامعة الدول العربية التي عُقِدت على مستوى وزراء الخارجية يوم الأربعاء الماضي؛ إذ قال إن القضية الفلسطينية تُعتبَر القضية المركزية والمحورية بالنسبة إلى الأمة العربية، مضيفاً أن دولة الإمارات تؤكد موقفها الراسخ في دعم قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية عام 2002.

ولا شك في أن هذا الموقف العربي الثابت تُجاه ضرورة حل القضية الفلسطينية بشكل عادل يبعث برسالة واضحة إلى إسرائيل، مفادُها أن هناك استحقاقات فورية يجب عليها الوفاء بها، وفي مقدمتها وقف عملية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل نهائي والالتزام الكامل بوقف خطة الضم، حتى يمكن تهيئة المناخ المناسب للشروع في مفاوضات جادّة لتحقيق هذا الحل المنشود للقضية الفلسطينية وفقاً لمقررات الشرعية الدولية، وهذا موقف تُجمع عليه كل الدول العربية وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

إن ثمة فرصة تاريخية سانحة خلال الفترة الحالية لتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية، ومن ثم إنهاء الصراع المزمن بين العرب وإسرائيل. ويجب على طرفي هذا الصراع استغلال هذه الفرصة بشكل جيد، عن طريق الجنوح التام للسلم وترك المزايدات الرخيصة والمراوغات التي لا طائل من ورائها سوى جلب المزيد من الخسائر للطرفين. وإذا كان العرب قد أكدوا أنهم جادُّون في تحقيق سلام شامل وعادل، فإن على الطرف الإسرائيلي أن يثبت، هو الآخر، أنه جادٌّ في الانخراط في عملية تسوية شاملة وعادلة لهذا الصراع؛ تسوية إن تحققت ستؤدي إلى بدء حقبة جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ينعم فيها العرب وإسرائيل بثمار السلام، وهي كثيرة للغاية وهذه الحقيقة، هي التي دفعت دولة الإمارات التي تميزت على الدوام بسياسة خارجية عاقلة ورشيدة إلى عقد معاهدة السلام مع إسرائيل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات