الافتتاحية: العراق يستعيد زمام المبادرة في شؤونه كافَّة

شيئاً فشيئاً يستعيد العراق زمام المبادرة في شؤونه كلّها، ويعتمد على ما يملكه من كفاءات وطاقات في إدارة ملفَّاته على الصعد كافَّة، ويؤكد للعالم أن أرض الرافدين ولَّادة، وأن أبناءها قادرون، كما كانوا دائماً، على بناء وطنهم وحمايته وصون مكانته، وأنهم مصرُّون على استعادة المكانة التي يستحقها بين دول العالم.

ويبدو التقدُّم في واقع العراق جلياً من خلال الكثير من الإنجازات والخطوات التي تحققت على أكثر من صعيد منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، ونَيلِها ثقة البرلمان ومباشرتها مهامها، سواء في جانب مكافحة الفساد، وتوقف النزيف في المال العام، أو في محاربة الإرهاب، والقضاء على بؤره وخلاياه، وملاحقة فلوله وأوكاره، أو تحجيم نفوذ الميليشيات، والحد من سطوتها وتدخلاتها في الشأن العام، وتقليم أظافر النفوذ الخارجي، الذي يعتمد عليها بشكل أساسي بصفتها ذراعه الطويلة التي يحركها في أي وقت لخدمة مصالحه وتنفيذ مخططاته، وهي تؤسس لمرحلة جديدة يتعافى فيها هذا البلد من جراحه، وينطلق نحو نهضة حقيقية طالما تطلَّع إليها، وانتظرها شعبه.

وعلى الصعيد السياسي هناك نيَّة حقيقية وجدّية ملموسة في صون سيادة العراق واستقلاله وحرمة أراضيه، وإصرارٌ على تجنيبه الصراعات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة، وحزمٌ في ضبط حدوده ومنع استخدام أراضيه مسرحاً لتصفية الحسابات، أو شن الحروب والضربات الانتقامية، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وبين تركيا والتنظيمات الكردية. وهناك توجُّهٌ إلى بناء نهج جديد يقوم على بناء علاقات متوازنة مع الأطراف المختلفة، والنأي بالنفس عن الخلافات بينها، ورغبةٌ واضحةٌ في أن يستعيد العراق عمقه العربي، ويدعّم روابطه وعلاقاته مع الدول العربية؛ وهو ما يبشّر بحاضر أفضل ومستقبل واعد يستعيد فيه هذا البلد المحوري دوره الإقليمي والدولي الفاعل.

لقد سئم العراقيون وتعبوا من الفوضى والانفلات، وما عادوا يحتملون استمرار مسلسل الاغتيالات والتصفيات، التي تتم بحق الناشطين، إما بأيدٍ خفية تُدار من وراء الحدود، ولا تريد لهم أن يعيشوا بسلام، ولا أن يشعروا بالسكينة والاستقرار؛ لأن مصالحها وأجنداتها تقوم على أساس استمرار حالة التشظّي والفرقة والانقسام في صفوفهم، والصراع الدموي بين قواهم وأطيافهم، وإما بوساطة ميليشيات منفلتة وسائبة وخارجة عن القوانين والأنظمة، ترى في كل صوت أو شعار أو فعل، أو مطالبة بإعادة ترتيب البيت العراقي على أسس العدالة والمساواة والمشاركة والكفاءة والاستقلال والسيادة، بعيداً عن المحاصصة والمحاباة، تهديداً لوجودها، وعامل تقويض لدورها.

لقد بدأت صفحة جديدة في تاريخ بلاد الرافدين، عقب زيارة رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، سواء فيما يتعلق بالعلاقات بين البلدين، أو بعلاقات العراق الإقليمية، لخَّصها الرجل في الجزئية الأولى بالقول إنها ستبنى على مبدأ «دولة مع دولة، وأن قرار العراق ومصالحه لا يقررهما الآخرون». وفي الثانية أن «العراق يحترم جيرانه؛ ولن يكون منطلَقاً للاعتداء على أي أحد منهم، وهو يطلب من الآخرين أن يبادلوه الشيء نفسه».

وضمن هذه الصفحة يأتي انسحاب القوات الأمريكية، وغيرها من قوات التحالف، من معسكر التاجي شمال بغداد، وتسليمه للقوات العراقية، وهي عملية التسليم الثامنة خلال العام الجاري للمواقع التي تخص التحالف ضمن القواعد العراقية، ليتحوَّل دورها إلى تقديم المعلومات الاستشارية والتدريبية؛ وهو ما يشكل خطوة جديدة على طريق اعتماد العراق بشكل كامل على نفسه؛ تؤكد أن جيشه قادر على حماية أمنه واستقراره وسيادته.

إن المشوار لا يزال طويلاً، ويحتاج من العراقيين إلى صبر وجَلَد؛ ويتطلَّب منهم أن يتمسكوا بما تحقق لهم، وأن يعضوا عليه بالنواجذ، وأن يعملوا كل ما في وسعهم؛ للبناء عليه؛ وتعظيمه عبر إعادة الاعتبار إلى وحدتهم الوطنية؛ وعدِّها مبدأ مقدَّساً وخطاً أحمر لا يجوز المساس به، أو تجاوزه، وتعظيم قيم الانتماء والولاء للوطن، وعدّها البوصلة التي تحدد اتجاه المجتمع بمختلف قواه وأطيافه وأفراده، والدولة بكل مؤسساتها ومسؤوليها، بعيداً عن النزاعات العرقية والطائفية، التي لم تجلب للعراق سوى الخراب والفرقة والاحتراب والفوضى، والعصابات الإرهابية، التي وجدت في تلك الأوضاع بيئة خصبة ووسطاً مثالياً للتكاثر وتفريخ الخلايا وممارسة الإجرام بلا رادع ولا وازع، والالتفاف حول كل جهد مخلص للنهوض، وتوحيد الصفوف، واستعادة القرار ودعمه ومساندته؛ فشعب العراق يستحق أن ينعم بالاستقرار والأمن، وأن يتمتَّع بما حباه الله به من خيرات وثروات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات