الافتتاحية: العالم يودع «عام كورونا» بتفاؤل مشوب بالحذر

  • 31 ديسمبر 2020

بعد ساعات قليلة ينقضي عام 2020، الذي جاء على عكس تفاؤل كثيرين به، بفعل جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» التي ضربت العالم على حين غرة فقطعت أوصاله ومثلت تحديًّا لم يشهد له العالم مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية وشلّت حركته وقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، على نحو أصبح معه نمط الحياة الطبيعية الذي طالما ضجر البعض منه حلمًا بعيد المنال، وسببت هذه الجائحة خسائر بشرية هائلة يقدر ضحاياها بعشرات الملايين ما بين مصاب ومتوفى، وخسائر اقتصادية فادحة تقدر بالتريليونات، وسيطرت أخبار الجائحة على أخبار العام وكانت هي الأهم والأكثر عددًا، بحيث يمكن التسليم بالفعل بتسمية هذا العام «عام كورونا».

بَيد أنه ومع نهاية هذا العام ساد العالم تفاؤل كبير بعد إعلان التوصل إلى لقاحات عدة مضادة لهذا الفيروس الفتاك، وتعاظم هذا التفاؤل بعد إنتاج هذه اللقاحات على نطاق تجاري وتوفيرها في مناطق واسعة من العالم، وبدء تلقي ملايين البشر حول الكرة الأرضية هذه اللقاحات، ومنها اللقاح الذي طورته مختبرات شركة «فايزر» الأمريكية، وشركة «بايونتيك» الألمانية، واللقاح الذي طورته شركة «موديرنا» الأمريكية، فضلًا عن اللقاح الصيني الذي طورته شركة سينوفارم، وهناك عدد آخر من اللقاحات يجري تطويرها ومن المتوقع أن يتم إنتاج بعضها قريبًا، وفي مقدمتها اللقاح الخاص بجامعة أكسفورد وأسترا زينيكا، الذي يفترض طرحه خلال أيام قليلة.

لكن هذا التفاؤل مشوب بحذر شديد في ظل المخاوف التي يبديها البعض بخصوص فاعلية اللقاحات، التي تتعرض مع الأسف لحملات تشكيك ودعايات سوداء، وكذلك في ظل استمرار تفشي الفيروس بضراوة في العديد من دول العالم وتحوره وظهور سلالات جديدة منه، مثل تلك السلالة التي ظهرت في المملكة المتحدة قبل أيام، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى وقف خطوط الطيران مع لندن، بعد أن انتقلت الإصابة بهذه السلالة من بريطانيا إلى دول أخرى، ولكن المبشر أنه ليست هناك أدلة علمية موثوق بها تفيد بأن اللقاحات التي طورت لمكافحة «كوفيد-19» لن تكون فاعلة في مواجهة هذه السلالة، كما أنه ليست هناك أدلة علمية موثوق بها تؤكد أن هذه السلالة أكثر خطرًا من الفيروس الأصلي، وهو ما قاله عدد من العلماء والباحثين حول العالم.

ولا يقتصر الحذر على مدى نجاعة اللقاحات في القضاء المبرم وبشكل سريع على الفيروس، فالحذر يمتد كذلك إلى قضية التعافي من التأثيرات السلبية الشديدة التي خلفتها الجائحة، وفي طليعتها تلك الخاصة بالمجال الاقتصادي، حيث إن الواقع يؤكد أن هذه التأثيرات التي ضربت بشدة الاقتصاد الدولي والاقتصادات الوطنية لدول العالم المختلفة، سوف تحتاج إلى سنوات عدة للتعافي منها بشكل كامل، فحين تبدأ عجلة الاقتصاد بالدوران لن يتوافر في مدى زمني قصير فرص عمل لعشرات الملايين الذين فقدوا وظائفهم في مجالات مختلفة، ولن يعود معدل النمو الاقتصادي في كثير من الدول كما كان، وفي هذا الشأن، تجدر الإشارة إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكدت مؤخرًا أنها قد تتجه إلى خفض توقعاتها للنمو العالمي بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة خلال عام 2021.

إن الظروف الاستثنائية التي خلفتها جائحة «كورونا» خلقت مناخًا عامًّا من الإحباط، وبات وجه العالم في عام 2020 كئيبًا، كما لم يحدث منذ عقود طويلة، وعلى الرغم من أن العالم يودع «عام كورونا» بتفاؤل مشوب الحذر، فإننا يجب أن نبتهج ونتفاءل لما تحقق من نتائج إيجابية لافتة للنظر في معركتنا الشرسة ضد الجائحة، ولأن التفاؤل يظل في نهاية المطاف هو سلاحنا النافذ لمواجهة التحديات وقهرها، وعلينا أن نتذكر دائمًا أننا نعيش في عالم يشهد تراكمًا متسارعًا للعلم وقفزات معرفية متتالية، وهذا التراكم هو الذي مكّن العلماء والباحثين من تطوير العديد من اللقاحات المضادة
لـ «كوفيد-19» في وقت قياسي، بما يفتح المجال للخروج سريعًا من مرحلة «كورونا».

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات