الافتتاحية: العالم يرهن الاستقرار بموقف إيران

  • 30 يونيو 2019

الافتتاحية: العالم يرهن الاستقرار بموقف إيران
ناقشت القمة الرابعة عشرة لمجموعة العشرين التي انعقدت يومي الجمعة والسبت 28و29 يونيو الجاري في اليابان، ملفات متنوعة وشائكة؛ حيث تناول جدول أعمالها عدداً من القضايا المالية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها الطاقة والبيئة والمناخ والاقتصاد والتجارة والرعاية الصحية والتعليم والعمل؛ وقد تصدرت نقاشات قادة الدول المشاركة، الذين يمثلون أضخم اقتصاديات العالم (نحو 85 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي)، ملفات مهمة من بينها الاقتصاد العالمي ومدى تأثير العوامل الهيكلية فيه، ومسائل التجارة، وخاصة ما يتعلق منها بالخلافات التجارية بين الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى وخاصة الصين؛ بالإضافة إلى ملف البيئة والطاقة، كالتغيرات المناخية التي يشهدها كوكبنا. وبرغم الخلافات الواضحة بين الدول المشاركة، وخاصة الكبرى منها، بشأن العديد من الملفات، من بينها مسألة الحمائية وقضية البيئة، فقد سادت أجواء من التفاؤل حول إيجاد حلول للخلافات القائمة؛ وبغض النظر عن مدى قدرة هذه الدول على ترجمة ما ظهر من توافق بينها على أرض الواقع بعد القمة، حيث تصطدم الملفات بتحديات وعقبات كثيرة، فإن القمة أظهرت أهمية التعاون الدولي لحل الخلافات بين الدول الكبرى، وخاصة التجارية منها.
وبرغم اكتظاظ جدول أعمال القمة، فقد كان الملف الأكثر بروزاً في نقاشات القادة وتصريحاتهم، وخيم بالفعل على الاجتماعات، هو الأزمة الإيرانية. فالقمة التي تتسم بطابعها التنموي والاقتصادي استحوذت فيها هذه الأزمة وما يتعلق بها من تهديد للملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي، على اهتمام واضح؛ حيث تمت إثارتها خلال اللقاءات الثنائية التي جرت على هامش القمة خاصة تلك التي، عقدت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظرائه رؤساء روسيا والصين والقادة الأوربيين، بالإضافة إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.
وبرغم تباين وجهات النظر التي ظهرت بشكل جلي قبيل القمة من خلال تصريحات قادة هذه الدول، فقد سادت لهجة توافقية إلى حد كبير بشأن ضرورة التهدئة وحل الأزمة عن طريق الحوار؛ بينما دان الجميع العمليات التخريبية التي وقعت لأربع سفن تجارية على مقربة من المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، واستهداف ناقلات النفط في بحر عمان. وقد أظهرت القمة خطورة الأزمة القائمة وحذرت من التصعيد الذي قد يدفع ليس فقط بالمنطقة، وإنما العالم بأسره إلى حافة الهاوية، حيث يشكل هذا تهديداً صريحاً للسلم والأمن الدوليين. وبينما أكدت القمة ضرورة أن يبذل جميع الأطراف جهودهم من أجل التهدئة وتخفيف حدة التوتر، فإن التركيز على خطورة تهديد الملاحة البحرية وعواقب الانسحاب من الاتفاق النووي، يضع إيران على وجه الخصوص أمام مسؤوليتها الرئيسية عن الأزمة؛ بل ويعيد الكرة إلى ملعبها؛ فبيد طهران أن تخفف حدة التوتر، وبيدها أيضاً أن تصعّد. وهذه الرسالة متوافقة تماماً مع رسالة الدول الكبرى الأخرى، التي لا تزال ملتزمة بالاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة، وهي روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والتي اجتمعت مع إيران في فيينا، وأكدت ضرورة المحافظة على الاتفاق النووي. ويمثل إعلان الاتحاد الأوروبي أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا قامت بتفعيل آلية تجارة خاصة مع إيران بهدف تفادي العقوبات الاقتصادية الأمريكية، حافزاً لإيران للبقاء في الاتفاق، ليس لحماية مصالح الأوروبيين فقط، ولكن لمصلحة إيران نفسها، والأهم ضمان الأمن والاستقرار الإقليمي. فالدول الأوروبية بهذا الموقف أيضاً تثبت الكرة في ملعب الإيرانيين؛ حيث يملكون مفاتيح حل الأزمة، وهي بشكل بسيط، المحافظة على التزاماتها كاملة ومن دون أي نقصان بموجب الاتفاق؛ ووقف تهديد الملاحة البحرية، والكفّ عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، الذي تسبب في حالة من عدم الاستقرار غير المسبوقة في المنطقة. وإذا كان الأوروبيون حريصين على بقاء الاتفاق؛ لما يعتقدون أنه في مصلحة الجميع، فإنهم يرفضون في الوقت نفسه سياسة الابتزاز التي تمارسها إيران، حيث تتهرب من مواجهة الاستحقاقات التي تفرضها عليها التطورات القائمة في الخليج، من خلال التهديد بالانسحاب من الاتفاق إذا لم يضمن الأوروبيون مصالحهم؛ ولكن الأوروبيون يشاطرون العالم والولايات المتحدة أيضاً بأن انسحاب إيران من الاتفاق سيكون خطأ جسيماً، ولا شك سيترتب عليه عواقب وخيمة، كما أكدت ذلك من قبل المستشارة الألمانية وأيدها في ذلك قادة وزعماء العالم؛ وهنا يصبح أمام إيران إذا ما أرادت حل الأزمة أن تتفاوض من جديد على الاتفاق النووي والملفات الأخرى الشائكة في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات