الافتتاحية: العالم أحوج ما يكون إلى نبذ العنصرية

  • 6 يونيو 2020

في هذا الوقت الذي يواجه فيه العالم واحداً من أكبر التحديات التي تهدّد حياة الإنسان وسلامته ونمط معيشته، وهو العدو الخفيُّ المتمثل بفيروس كورونا المستجد؛ فإن البشرية أحوج ما تكون إلى صيغة جديدة للعلاقات بين أبنائها تقوم على التضامُن والتعاضد والتقارُب الوجداني، وتخفّف من وطأة الظروف السائدة حالياً، وتمنح شعوراً عاماً بالوحدة والقوة يعيد إلى الحياة رونقها وألقها المفقودَين.
سبَّب كورونا إرباكاً في جميع تفاصيل الحياة اليومية للناس، وعطَّل عجلة الإنتاج، وألحق خسائر فادحة بكل قطاعات الاقتصاد، وحرم الإنسان الكثير من العادات والممارسات الاجتماعية التي كانت تشكل، حتى الأمس القريب، جزءاً أساسياً من ثقافته، وعاملاً من عوامل استقراره العاطفي والنفسي؛ ولا يزال يشكل تهديداً للصحة العامة ولسلامة المجتمعات واستقرارها؛ وهو ما يدعو إلى مزيد من التعاون بين دول العالم على الصعيد الخارجي، وبين حكومات الدول وشعوبها على الصعيد الداخلي، وبين أفراد المجتمع نفسه على المستويين الفردي والجماعي؛ لبث المزيد من التفاؤل والطمأنينة والروح الإيجابية، ومكافحة الأفكار السلبية والطروحات المثبّطة، وتأكيد أن الناس كلهم سواسية، ولا يتمايزون، أو يتفاضلون إلا بقدر ما يبذلونه من جهود وما يحققونه من إنجازات تعود بالنفع عليهم، وعلى مجتمعاتهم، وعلى الإنسانية كلها.
العالم اليوم يحتاج إلى مقاربة أخلاقية جديدة تنبذ الفكر العنصري، وترفض التمييز بين الناس على أساس العرق أو اللون أو العقيدة أو اللغة، أو أي عامل أو سبب آخر، وتقوم على أنهم جميعاً سواسية لهم الحقوق ذاتها، وعليهم الواجبات نفسها، تحكمهم القوانين التي تنظّم علاقاتهم ببعضهم بعضاً، والعلاقة بينهم وبين المؤسسات، وتؤكّد مجدَّداً قدسية حياة الإنسان وحرمة تهديدها أو الاعتداء عليها، وأن كرامته مصُونة، وحقوقه محفوظة لا تقبل التجزئة ولا التقسيم ولا الانتقاص منها، وتضمن بالنتيجة أن يلتزم كل طرف من أطراف المجتمع، أفراداً ومؤسسات، وعلى المستويَين المحلي داخل الدول، والعالمي بالمفهوم الأوسع والأشمل، بحدوده وألا يتغوَّل أو يتنمَّر أو يتجاوز أي طرف على آخر.
لقد عانت البشرية، على مرّ التاريخ، وما زالت تعاني في الكثير من الأقطار، أشكالَ التمييز العنصري على أسس مختلفة، منها الديني، ومنها العرقي، ومنها التمييز بسبب لون البشرة وغيرها. وهو تمييز سبَّب، ولا يزال، آلاماً كبيرة لشعوب بأكملها نتيجة اضطهادها وتهجيرها وحرمانها الكثير من حقوقها الأساسية، فضلاً عن الاعتداء عليها، وقتل أبنائها، وتعذيبهم، وارتكاب الكثير من الجرائم بحق إنسانيتهم؛ وهو ما يتطلَّب وقفة حازمة وجادة وصادقة من جميع المرجعيات والقيادات الدينية والسياسية والاجتماعية على مستوى العالم كله لنبذ كل هذه الممارسات، وتجريم التفكير والسلوك العنصريين، والاتفاق على إجراءات أكثر صرامة وردعاً بحق مَن يمارسونهما، واعتماد منهجية أكثر فاعلية وتأثيراً وقدرة على الإقناع لمحاربة هذه الظاهرة لدى الأجيال الحالية والمقبلة، وصولاً إلى عالم خالٍ من التمييز.
حادثة مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد، في أثناء عملية اعتقاله على يد شرطي أبيض، لم يراعِ إنسانيته، ولم يرحم توسلاته وهو يستجديه السماح له بالتنفس بشكل طبيعي، ويصرُّ على ممارسة ساديته وعنصريته البغيضة حتى أزهق روحه، أثارت مشاعر العالم كله، ووحَّدت مواقف شعوبه تجاه هذه الظاهرة؛ حيث خرجت الاحتجاجات بحقّها في الكثير من دول العالم؛ لتؤكد لمن يعتنقون هذا الفكر المشوَّه الممسوخ أنه لا مكان لهم اليوم في العالم المتحضر الذي تجاوز عقلية التفوق والسيادة العرقية، وذابت فيه الفوارق بين الناس.
إن رسالة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، بشأن الأحداث الدائرة في الولايات المتحدة الأمريكية حالياً، التي رفضت كل أشكال العنصرية والإقصاء، ووصفتها بالخطيئة، ودعت إلى تجنُّب العنف الذي يلحق المزيد من الضرر بالمجتمعات، هي بمنزلة قرع للجرس، ودعوة إلى صحوة عالمية يتم فيها تبني قيم السلام والتعارف والعيش المشترك، والتعاون على كل ما فيه خير ومصالح الإنسانية جمعاء، والمحافظة على مكتسباتها وإنجازاتها، وتحقيق السعادة والرفاهية اللتين ينشدهما الناس، وهي دعوة تضمَّنتها وثيقة الأخوَّة الإنسانية، التي انطلقت من أبوظبي قبل نحو عام، بصفتها أرضية نحو عهد إنساني جديد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات