الافتتاحية: الشفافية في التعامل مع أزمة «كورونا»

أصبح فيروس «كورونا» وباء عالمياً على أرض الواقع، حتى وإن لم تصفه منظمة الصحة العالمية بهذا الوصف بعد، فالمرض تمدد خارج بؤرته الأصلية في الصين، وخلق بؤراً له خارجها، ووصل إلى قارات العالم كلها. وعلى الرغم من كل التطمينات التي يقدمها البعض من متخصصين ومسؤولين، فإن حالة الهلع والفزع من الإصابة بهذا الفيروس تزداد يوماً بعد يوماً، مع تصاعد أرقام الضحايا، سواء فيما يخص الوفيات أو المصابين.
ومما لا شك فيه أن هذا الخطر المتنامي لفيروس «كورونا»، الذي بات يهدد كل دول العالم، بدرجات مختلفة، يحتم ضرورة التكاتف الدولي لمواجهته بشكل حاسم، كما أنه يحتم ضرورة تدشين مرحلة جديدة من التعاون الدولي في القضايا التي يمتد تأثيرها ليشمل الجميع، مثل قضايا البيئة والتغير المناخي وغيرهما، بعد أن أثبتت أزمة كورونا بالفعل أن مصيرنا واحد، ولكن الخطوة الأولى لهذه المواجهة، تتمثل في الضرورة المطلقة لوجود شفافية تامة في التعامل مع الوضع المأزوم الذي خلفه هذا الخطر، لأنه مع تناميه وغياب المعلومات الدقيقة بشأنه، كثرت الشائعات، التي شكلت مصدر قلق إضافي للجمهور، وقد أسهم في نشر هذه الشائعات العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تحظى بنفوذ كبير بين وسائل الإعلام الجديد، الذي تطور بشكل غير مسبوق مع ما أفرزته الثورة الصناعية الرابعة من تكنولوجيات متقدمة للغاية.
وتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً يحتذى به في التعامل بشفافية مع أزمة «كورونا»، حيث لم تتردد الدولة منذ البداية في إعلان حالات الإصابة والاشتباه بالفيروس، بروح من المسؤولية والأمانة، الأمر الذي أدى إلى محاصرة انتشار الشائعات، وقدم صورة حقيقية لمدى ما يمثله خطر «كورونا» في الدولة. وفي سياق موازٍ، تبذل الدولة جهوداً مكثفة وواعية للحيلولة دون حدوث مزيد من الإصابات، وتقدم المؤسسات الصحية كل الرعاية للحالات القليلة التي تم إعلان إصابتها بالفيروس. ولا شك أن نهج الشفافية التامة الذي تعاملت به الدولة مع أزمة «كورونا» هو النموذج الذي يجب أن تتعامل به كل الدول مع هذه الأزمة التي تواجه العالم خلال المرحلة الحالية.
وإنه لمن المؤسف حقاً أن بعض الدول لم تتعامل بالشفافية المطلوبة مع أزمة «كورونا»، منذ البداية، فأخفت وصول الفيروس إليها ووجود مصابين به على أراضيها، قبل أن تضطر إلى إعلان الحقيقة في ظل تصاعد معدل الإصابة به لديها، وهناك دول أخرى وصلها الفيروس وبات معلوماً أن فيها عدداً من الإصابات، ولكنها لا تزال تتعامل بدون شفافية من خلال عدم إعلان الأرقام الصحيحة لأعداد الوفيات أو المصابين. ولا شك أن هذه الحالة من عدم الشفافية تسبب لغطاً وتقدم صورة مغلوطة لحقيقة الوضع القائم، ما من شأنه التأثير سلبياً في الجهود الدولية المبذولة لمكافحة المرض، التي لا بد أن تبنى على معلومات دقيقة.
إن الشفافية المطلقة في التعامل مع أزمة «كورونا» ضرورة أساسية لتقديم صورة واقعية لانتشار المرض، وبالتالي، يكون بالإمكان احتواؤه والقضاء عليه، أو تقليل مخاطره على الأقل، أما غياب هذه الشفافية فإنه يقود إلى عكس ذلك تماماً، ويسهم في انتشار الشائعات، التي تزيد من حالة الفزع بين الشعوب، التي لا تشغلها قضية خلال هذه الأيام أكثر من «كورونا». ولا بد من التنبيه في هذا السياق، إلى ضرورة عدم الالتفات إلى الشائعات والحصول على المعلومات المطلوبة من الجهات الرسمية الموثوق بها، ويمكن لوسائل الإعلام، بل ويجب عليها، أن تقوم بدور طليعي في هذه الأزمة، حيث إن الإعلام بأشكاله المختلفة بات يلعب دوراً غير مسبوق في توجيه الرأي العام داخل الدول، وعلى الصعيد العالمي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات