الافتتاحية: السودان يعود إلى الحضن الإقليمي والدولي

  • 15 ديسمبر 2020

على مدار عقود عدة، عانى السودان الشقيق أزمات متنوعة ومتتالية، كانت سببًا وراء تردي أحواله الاقتصادية والسياسية والأمنية، لتنعكس على شعب هذا البلد الذي عانى، طويلًا، حكمَ الرئيس السابق عمر حسن البشير، الذي لم يكتفِ بتفقير السودان فقط، إنما كان عونًا للإخوان المسلمين، بتوفير ملاذ آمن لممارسة أهدافهم الإرهابية من دون أي رادع أو حِساب لمصلحة الدولة وأهلها.

هذه المقدّمة التي كان لا بد منها، تنطلق من مجموعة من السياقات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأبرزها الحدث التاريخي الذي جرى أمس، وتَمثّل في إزالة الولايات المتحدة الأمريكية اسم السودان الشقيق من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، لتشكل هذه الخطوة بريق أمل نحو انتشال هذا البلد من دوامة تردي ظروفه الاقتصادية التي تسببت في أزمات خانقة لشعبه ومؤسساته. وبناءً على ذلك كله رحّبت دولة الإمارات العربية المتحدة بقرار الولايات المتحدة رفع اسم السودان من القائمة عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي، هنّأت فيه السودان وشعبه على هذه الخطوة التي تنهي نحو 27 عامًا من عزلته السياسية والاقتصادية، ليسهم هذا القرار في تعزيز أمن السودان ورخائه، ويحقق تطلعات شعبه وآمالهم في التنمية والازدهار.

إن قرار إلغاء تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب إشارةٌ واضحة إلى أن السودان سيبدأ جديًّا بمرحلة جديدة تتغير فيها الأوضاع السياسية نحو مسارات أكثر إيجابية؛ حيث سيكون عضوًا فاعلًا ومؤثرًا في المجتمع الدولي، وسيصبح قادرًا على خوض الملفات الدولية بفاعلية واقتدار، كما سيدعم ذلك الانتقال الديمقراطي في السودان، ويتمكن عبر مؤسساته السياسية من تحقيق آمال الشعب السوداني الذي انتفض بثورته الباسلة في وجه الطغيان، التي أنهت عقودًا طويلة من حكم الرئيس الإخواني عمر البشير، وطوى من خلالها الصفحات المظلمة لحكمه، وسعى فيها إلى التجرّد من الأضرار التي طالت حياته ومستقبله إبّان تلك المرحلة الصعبة والعسيرة عليه.

لقد رزح السودان طويلًا تحت دوامة من الأزمات، لم تقتصر على الجانبين السياسي والاقتصادي، إنما تعدّاها إلى أزمات إنسانية كبيرة، تتطلب من القائمين على هذا البلد في المرحلة المقبلة تأمين العديد من الملفات وتحقيق مجموعة بارزة من المستهدفات، على رأسها الانتقال السياسي ودعم عمليات السلام والمساعدة في حماية واقع الشعب السوداني ومستقبله، والتركيز على ملفات عدّة؛ كمكافحة الفساد وسيادة القانون والحصول على مساعدات اقتصادية وإنمائية وإنسانية، تسهم في انتشال السودان وشعبه من دوامة الفقر والتضخم والبطالة، وغيرها من التحديات التي تقف في وجه تطور هذا البلد وتقدمه ونمائه، وذلك من خلال فتح حدوده أمام الاستثمارات الخارجية، وحصوله على المساعدات الاقتصادية من الدول الكبرى ومن المؤسسات العالمية المموِّلة، بما يدعم الإصلاحات المنشودة، ويحقق الرفاه والاستقرار لأبناء السودان الطيبين.

وكان التطور الأبرز الذي شهده السودان قبل حَدَث أمس التاريخي، قد تمثّل أيضًا في التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية السودانية التي تضم أربع حركات مسلّحة، أنهى 17 عامًا من الحرب الأهلية، في نهاية شهر أغسطس الماضي، برعاية ودعم من قِبَل دولة الإمارات، التي انطلقت من ثوابتها الراسخة في إنجاز هذا الاتفاق التاريخي، من خلال حضّ الأطراف كافة، منذ ما يزيد على عام، على التوصل إلى اتفاق يحقق استقرار السودان، ويرسخ متطلبات السلام التي تعود بالمنفعة والخير على هذا البلد ومؤسساته وشعبه، بعد أن انتهى العهد البائد، الذي كرّس النزاعات المسلحة والاضطراب السياسي، وتسبب في غياب العدالة والحوكمة والمساواة، ووضع البلاد في مواجهة أزمات غير مسبوقة، اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا.

وبعد كل هذه التطورات التي تعيد إلى الأنفس الأمل بأن الغد سيكون أفضل على السودان وشعبه الشقيق، يبدأ هذا البلد الآن بالاستعداد لخوض غمار مستقبل قريب، تتحقق فيه آمال شبابه وأحلامهم التي يسعون فيها إلى الحصول على فرص عمل توفّر لهم الحياة الكريمة، بعد أن تدخل الأموال والمساعدات والاستثمار إلى أرض وطنهم، وبعد أن يعود السودان إلى حضن المجتمع الدولي، حاملًا بين يديه شعلة تاريخ وحضارة عريقَين، تنير اسمه من جديد كدولة مُحبة للسلام، ونابذة للتطرف والإرهاب، وقوة داعمة للسلم الإقليمي والدولي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات