الافتتاحية: السلام رسالة الإمارات للعالم

  • 12 أكتوبر 2020

إرساء السلام والأمن والاستقرار وتجنيب الإنسانية شرور الحروب وما ينجم عنها من كوارث، أولويات جوهرية في سياسة دولة الإمارات، ويقوم عليها خطابها إلى العالم كلّه في كل مناسبة، ذلك لأنها تؤمن بأن التعاون والتآخي هو الأساس في العلاقات بين البشر مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم، وبأن الصراع والنزاع والتناحر سلوك دخيل لا يمثّل طبيعة الإنسان ولا ينسجم مع فطرته ونزوعه الأصيل نحو الحياة، وبأن حقه في العيش بكرامة وطمأنينة حق مقدّس وضرورة مقدّمة على أية أولويات أو مصالح مهما بلغت أهميتها.

انطلاقًا من هذا الإيمان ترى دولة الإمارات أن جميع الأطراف خاسرة في الحروب؛ بمن في ذلك من يخرج منها منتصرًا بالمقاييس المعمول بها والتي تحصي أعداد القتلى والجرحى والخسائر في المعدات والمنشآت، وأن اتخاذ قرار الحرب في ذاته خسارة؛ لأنه ينطوي ضمن ما يحمله من معان ودلالات على تغييب للحكمة وتغليب لشهوة الشر والانتقام الطارئة على نزعة الخير الدائمة، فضلًا عن أن الطرفين المتحاربين لا بد أن يسددا الضريبة والتكلفة التي تترتب على قرارهما، والتي تطال كما أثبتت التجارب جوانب الحياة كافة؛ بما فيها الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا حروب نظيفة، ولا صراعات يمكن أن تعود على الناس بالمنفعة أو الفائدة، ولذلك فهي لا تتوانى عن السعي دائمًا إلى منع الحروب ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، ولا تدخر جهدًا في العمل على التوسط لحل النزاعات ومنع الانزلاق نحو الصِدام.

لقد أثبت التاريخ عبر مختلف الأزمان والعصور أنه لا يمكن حل المشكلات أو الخلافات انطلاقاً من الحروب، وسجلات الإنسان مملوءة بالشواهد والأدلة على ذلك، ففي كل الصراعات والخلافات التي خاضتها الأمم والشعوب على امتداد البسيطة، كانت الأطراف تعود بعد أن تخوض جولات من القتال المرّ تُسفك فيها الدماء، ويُشرّد الناس من بيوتهم وأوطانهم ويفقدون أحبتهم وممتلكاتهم، إلى طاولة التفاوض وتلجأ إلى الحوار لإيجاد حلول لخلافاتها وتنجح في ذلك بامتياز في كثير من الأحيان؛ ليس بسبب سهولة الاتفاق أو بساطة المسألة المتنازع عليها، ولكن لأن الطرفين يكونان قد اختبرا الحرب وعانيا تبعاتها، وأيقنا أن تكلفتها باهظة وخسائرها جسيمة، واستقر في وجدانهما أن حسْم الخلاف لا يمكن أن يكون عبر فوهات البنادق وإنما بالحوار وتحكيم لغة المنطق والعقل.

كانت دولة الإمارات منذ تأسيسها وما زالت داعية سلام ووئام، ولاعبًا رئيسيًا في ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين بني الإنسان، وهو ما يتجلّى في المبادرات التي أطلقتها للتقريب بين الشعوب على اختلاف ألوانها وأديانها، وتعزيز قيم ومبادئ السلام والمحبة والإخاء في العالم، والإنجازات المشهود لها بتحقيقها في مجال حل النزاعات وإرساء السلام والاستقرار في بؤر كانت ساخنة ومرشحة للمزيد من التصعيد، فقد كانت سبّاقة في رعاية المصالحة بين إثيوبيا وأرتيريا، وتمكنت عبرها من وضع حدّ لعداء بين البلدين استمر نحو 20 عامًا، كما أسهمت بشكل فاعل ومؤثر في إنجاز اتفاق السلام التاريخي بين الحكومة السودانية وحركات المعارضة المسلحة، ووقعت عليه كطرف ضامن، وهي دائمة الدعوة إلى تسوية النزاع في اليمن وليبيا وفي كل مكان يعاني فيه الإنسان ويلات الصراع وما يترتب عليها من معاناة تطال كلّ فئات المجتمعات.

في هذا الإطار وضمن هذه المساعي الحميدة جاء ترحيب دولة الإمارات باتفاقية وقف إطلاق النار في إقليم ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه بين دولَتي أذربيجان وأرمينيا، الذي عبّر عنه معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، وأشاد فيه بالجهود الروسية الخيّرة للوصول الى هذا الاتفاق، ودعا أذربيجان وأرمينيا، البلدين الصديقين، إلى مسار سياسي تفاوضي يضمن الاستقرار والازدهار لشعبيهما، فالصراع الناشب حاليًا بشأن هذا الإقليم يهدد بتوسّع نطاق الحرب وامتداد سعيرها إلى ما هو أبعد من حدود البلدين، وينذر بشرّ مستطير؛ خصوصًا في ظل محاولات بعض الأطراف الإقليمية النفخ على النار بدلًا من محاولة إطفائها.

الحرب تعمق الكراهية وتنشر العداوة والبغضاء في نفوس من يعايشونها، وتترك آثارًا نفسية قد تمتد لأجيال متعددة، وتحرم الشعوب من أن تعيش حياة طبيعية، وتعطل جهود التنمية وتعيق الازدهار والتقدم الذي يتطلع إليه الإنسان، وبالتالي فإن قرار إسكات أصوات المدافع يحتاج إلى شجاعة أكبر من قرار إعلان الحرب وخوضها، وهو أمر لا يقدره إلا الحكماء الذين يرفعون من قدر الإنسان ويحترمون حقه في الحياة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات