الافتتاحية: الدولة الوطنية في مواجهة الطائفية

  • 23 أكتوبر 2019

الدولة الوطنية هي دولة مدنية حديثة تسودها قيم العدالة والمساواة والكفاءة، وهي بالضرورة دولة لكل مواطنيها على قدم المساواة، وليست لحزب أو جماعة معينة، وتحظى الدولة الوطنية بأهمية قصوى، فلا تقدم يمكن أن يتم دون ترسيخ الدولة الوطنية، والتجربة التاريخية خير شاهد في هذا السياق، فأوروبا لم تتقدم إلا بعد أن رسخت الدولة الوطنية، وقد ناضلت الشعوب العربية طويلاً في حقبة الاستعمار لنيل استقلالها، وتشكيل دول وطنية حديثة.
وقد استطاعت الدول العربية في حقبة ما بعد الاستقلال تحقيق إنجازات ملموسة في مجال التأسيس للدولة الوطنية، وكان ذلك من خلال مشروعات تنموية طموحة، وناضلت النخب العربية الحاكمة في سبيل حل أزمات التنمية السياسية وتحقيق التكامل والاندماج القومي بين مختلف فئات المجتمع، وتطور مفهوم الدولة الوطنية في العالم العربي منذ ذلك الوقت بشكل كبير، لكن نهوض الجماعات الدينية والطائفية والعرقية المتطرفة، فتّ في عضُد الدولة الوطنية في أكثر من قطر عربي بشكل كبير.
وفي ظل تنامي النزعات دون الوطنية في عدد من الدول العربية، أدرك كثير من قادة الرأي العام والفكر والمتخصصين، بل وقطاعات شعبية عريضة خطورة هذا الوضع، وما يمكن أن يؤدي إليه من انهيار الدولة الوطنية، بكل ما يعنيه ذلك من كوارث على المجتمعات العربية. وفي هذا السياق يقول معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، إن المظاهرات التي يشهدها أكثر من بلد عربي هي استغاثة إنقاذ لعودة الدولة الوطنية القوية والعادلة. وأضاف معاليه في تغريدة عبر حسابه على «تويتر»: «هي صرخة ضد الطائفية، وضد الانتماءات الحزبية التي تتدثّر بالدين. هي طلب العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة، كما هي دعوة بأن يكون الفيصل أداءً ينشد صالح المواطن».
ومما لا شك فيه أن محاولات استعادة الدولة الوطنية في العالم العربي تنطلق من إدراك عميق لحقيقة ما تواجهه هذه الدولة من تحديات خطيرة خلال المرحلة الراهنة، بهدف تفكيكها لصالح كيانات شمولية صغيرة لا تعترف بمفهوم الدولة، وترى الوطن حفنةً من تراب. وقد برزت هذه التحديات بشكل خطير للغاية خلال السنوات الأخيرة، حيث حاولت جماعات بعينها، استغلال حالات الفوضى التي خلّفها ما سمي بالربيع العربي، من أجل تحقيق مآربها الخاصة على حساب الدولة الوطنية.
وفي الواقع، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة التي نجحت في التأسيس لدولة وطنية قوية، حريصة للغاية على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية في أنحاء العالم العربي كافة، ولذلك، فهي لم تدخر جهداً لمساعدة الأشقاء العرب في هذا الصدد، ولقد جاءت مشاركة الإمارات في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن من أجل استعادة الدولة الوطنية التي تحاول جماعة الحوثي الانقلابية المدعومة من قبل النظام الإيراني السطو عليها. كما تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة سداً منيعاً في مواجهة الجماعات المتطرفة التي تحاول اختطاف الدين وتوظيفه لخدمة مصالحها الخاصة على حساب الدولة الوطنية.
إن أشد ما تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية خلال المرحلة الراهنة هو ترسيخ الدولة الوطنية وفقاً لقيم العدالة والمساواة والكفاءة، والدولة الوطنية المقصودة في هذا الإطار، هي «دولة المواطنة»، التي يسود فيها حكم القانون على الجميع دون تمييز، وهي الدولة التي يحظى جميع مواطنيها بفرص متساوية للمشاركة في الحياة العامة والحصول على فرص العمل، انطلاقاً من قيم العدالة للجميع. ولا شك أن تحقيق هذه الغاية الكبرى يتطلب العمل المكثف على كثير من الجبهات، ومنها الجبهة الخاصة بتشكيل رأي عام قوي داعم للدولة الوطنية ومناهض بشدة للجماعات دون الوطنية التي تحاول تفكيك الدول العربية، وذلك من خلال إعلام واعٍ ومسؤول وتعليم يغرس في عقول وقلوب الشعوب منذ الصغر الأهمية القصوى للدولة الوطنية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات