الافتتاحية: الحل السياسي في ليبيا لا مفر منه

  • 4 يونيو 2020

يكتسب إعلان الأمم المتحدة عقد جلسة «افتراضية» ثالثة من محادثات جنيف العسكرية بين أطراف النزاع في ليبيا، (حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر) -الذي يأتي في إطار اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي انبثقت عن مؤتمر برلين الخاص بالأزمة الليبية- بهدف البحث في استئناف مباحثات وقف إطلاق النار وإبرام هدنة جديدة، أهمية كبيرة، ليس فقط لأنه يعد خطوة مهمة لا بد منها من أجل وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار المفاوضات، ولكن لأنه -وهكذا نأمل- ربما يعبر عن إدراك الأطراف المتنازعة لضرورة الحوار كمدخل لحل الأزمة، فكل المعطيات القائمة، تؤكد، أكثر من أي وقت مضى، أنه لا مفر من التفاوض بين أطرف الأزمة؛ إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية في إنهاء الصراع وتخليص الليبيين من عبء الحرب، التي لا طائل منها؛ وذلك لاعتبارات عدة من أهمها:
أولاً: لا يوجد خلاف على أنه لا حسم عسكرياً للصراع؛ فقد مضى الآن أكثر من خمس سنوات على اندلاع النزاع المسلح بين قوات المشير خليفة حفتر والقوات التي تسيطر على طرابلس منذ سقوط نظام معمر القذافي؛ وبالطبع قبل قدوم حكومة الوفاق التي أفرزها اتفاق الصخيرات. كما مر أيضاً أكثر من عام على الحملة العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، ولم يتحقق أي شيء؛ بل تواجه قوات الشرق تحديات مهمة؛ وقد تراجعت ميدانياً بسبب التدخل التركي لصالح القوات التابعة لحكومة الوفاق، وخسرت مواقع مهمة في الغرب. ومع ذلك فلا يمكن لقوات طرابلس وبرغم التقدم الذي حققته مؤخراً، حسم المعركة لصالحها؛ وهذا ربما يفسر موافقة حكومة فايز السراج على التفاوض في إطار اللجنة العسكرية؛ حيث بدأت تدرك هي أيضاً أنه لا حسم عسكرياً في الأفق ولا في المستقبل؛ وخاصة أن كل الأطراف تتمتع بدعم عسكري وسياسي إقليمي ودولي يمكّنها من الاستمرار في القتال.
ثانياً: تفشي فيروس كورونا المستجد؛ يفرض على كل الأطراف أن توقف القتال وأن تستجيب للدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة والكثير من الدول المعنية بالشأن الليبي وضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف شامل لإطلاق النار من أجل تكثيف الجهود لمكافحة الفيروس؛ الذي إن تفشى في دولة مثل ليبيا تعاني حروباً وصراعات دامية، وفي الوقت نفسه، تعاني ضعفاً في النظام الصحي، فسيكون له تداعيات خطيرة جداً؛ بل وكارثية. ولهذا فإن الظرف الحالي يحتم على الأطراف أن ترتقي إلى مستوى الحدث وتعمل بجد وإخلاص للبحث عن خلاص من هذه الحرب التي لا طائل منها أبداً ولا تخدم الليبيين على الإطلاق.
ثالثاً: المواقف الإقليمية التي تشهد تحولاً أكثر وضوحاً باتجاه تركيز الجهود على الحل السياسي؛ ويبدو أن هناك إرادة لدى هذه الدول أيضاً للضغط على كل الأطراف بما فيها التي تدعمها من أجل القبول بالتفاوض والحل السياسي؛ حيث لا يمكن أن يستمر الدعم المقدم منها إلى الأبد.
رابعاً: وكما هي الحال بالنسبة للمواقف الإقليمية، فإن المجتمع الدولي مهتم أكثر من أي وقت مضى بالتوصل إلى حل سلمي؛ وقد تجلى هذا في دعوة الأطراف الدولية الأكثر انخراطاً في الصراع ومن بينها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ومعهم بالطبع ألمانيا التي تتبنى موقف المحايد، إلى وقف القتال والبدء بالتفاوض لإيجاد حل ينهي الصراع ويلبي مطالب كل الليبيين.
والخلاصة أن كل المعطيات على الأرض تستوجب وقف القتال والبحث عن حل سياسي؛ فاستمرار الحرب استنزاف لكل الأطراف؛ ولا يوجد هناك مؤشرات إلى إمكانية حسم الحرب لصالح أي طرف في ظل التزام دول إقليمية ودولية بتقديم الدعم للأطراف المتنازعة؛ ومن ثم لا مفر من الحوار والبحث عن حل سلمي يرضي جميع الليبيين ولا يقصي منهم أحداً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات