الافتتاحية: الحل السياسي طريق ليبيا نحو الأمن والاستقرار

  • 25 يناير 2020

يوماً بعد آخر تثبت تطورات الأوضاع في ليبيا وتداعيات الأزمة الناشبة فيها بين مختلف الأطراف المتصارعة، أن الحل في هذا البلد لا يمكن أن يكون إلا سياسياً، وأن إمكانية الحسم العسكري غير واردة على الإطلاق، خصوصاً في ظل إصرار كل طرف على التمسك بخياراته من ناحية، ووجود لاعبين آخرين على الساحة لن يسمحوا بأن يتمكن أي من أطراف النزاع من إنهاء المعركة العسكرية لصالحه.
وثمة كثير من الأمثلة في السياقات التاريخية للصراعات الداخلية في الدول، تؤكد فشل معظم، إن لم يكن كل، التجارب التي حاول فيها طرف من الأطراف في نزاع داخلي فرض إرادته ورغبته ونظريته بالقوة، وخصوصاً في البلدان التي تمزج فيها النظم التي يحتكم إليها المجتمع ما بين الديني والقانوني والعرفي والقبلي، حيث اللجوء إلى القوة يعمّق الفجوة ويؤجج العداوة ويحول دون إمكانية الفهم أو التفاهم ويرفع وتيرة صراع الإرادات ويعزز لدى كل طرف اعتقاده بأنه صاحب الشرعية والولاية الحقيقية.
في الحالة الليبية كان الخاسر الأكبر والأوحد هو الوطن والشعب، فمنذ سقوط نظام القذافي في عام 2011 وهذا البلد يعيش في حالة حرب ويتنقل ما بين أزمة وأخرى، دون أن يتمكن من لم شتات أبنائه وإعادة اللحمة إلى ترابه، برغم الكثير من المعارك التي أزهقت الأرواح وسفكت الدماء ودمرت المرافق والبنى التحتية وأعادت البلاد عشرات السنين إلى الوراء، واستنزفت من مقدراتها وثرواتها ما لو تم استغلاله في التنمية والبناء والإعمار، لوضع ليبيا في مصاف الدول الأفضل حالاً والأكثر نمواً وازدهاراً ورخاء.
منذ وقت مبكر عقب نشوب الأزمة الليبية كانت الإمارات في مقدمة الساعين إلى إخماد نيران الفتنة والصراع، وبذلت في هذا الصدد جهوداً كبيرة، وحاولت من خلال مختلف القنوات الدبلوماسيّة والسياسية أن تسهم في منع انزلاق هذا البلد نحو الفوضى والصراعات، وما تزال جهودها مستمرة بلا كلل أو ملل للوصول إلى تسوية سياسية تنتقل بليبيا نحو عهد جديد، وهو ما أعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، تأكيده خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لبحث نتائج مؤتمر برلين الأخير، حيث شدد سموه على أهمية إيجاد حلول سلمية تخدم تطلعات الشعب الليبي الشقيق إلى الأمن والاستقرار.
مؤتمر برلين الذي أكد أنه لا حل عسكرياً للنزاع في ليبيا، وأن كل الأطراف المنخرطة في هذا النزاع متفقة حول هذه الخلاصة، ودعا كل الأطراف إلى الامتناع عن المشاركة في النزاع، وكل الليبيين إلى الانخراط في جهود الأمم المتحدة لحل الخلافات والعودة إلى العملية السياسية، يشكل فرصة سانحة على الليبيين أن يعضوا عليها بالنواجذ وأن يحرصوا على استغلالها على أكمل وجه، ليتمكنوا من إعادة صياغة واقع وطنهم واختيار مستقبله بحيث يكون خالياً من العنف طامحاً نحو الأفضل، وهو ما يتطلب تنحية خلافاتهم وإطفاء ثاراتهم وإسكات صوت بنادقهم، حتى لا تعود ليبيا إلى حرب بسوس أو داحس وغبراء جديدة.
في ظل ذلك كله لا بد للأطراف الليبية من العودة إلى المسار السياسي، ولا خيار لها سوى التفاهم والبحث عن القواسم المشتركة والحلول الوسطى التي ترضي الجميع وتحقق القناعة وترقى إلى طموحات وأحلام الشعب في الحياة الآمنة المستقرة في ظل سيادة القانون وهيبة الدولة الواحدة الموحدة، ولا غنى لها -برغم كل الجهود الخيرة التي تبذل- عن الجلوس معاً على طاولة واحدة ووضع خلافاتها جانباً والخوض في نقاش حقيقي وجاد للبحث عن الحلول المجدية والتمسك بنقاط الاتفاق وتوسيع مساحاتها وتضييق مساحات الاختلاف، وكذلك التعامل مع الواقع وتحييد أو تأجيل الرغبات والطموحات الذاتية وإظهار أكبر قدر من ضبط النفس، حتى تتمكن من إخراج البلاد من النفق المظلم الذي لا تزال عالقة فيه منذ ما يزيد على تسع سنوات.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات