الافتتاحية: التعاون الدولي ضرورة لضمان استمرار التعليم للجميع

لا يمثل تعطل أي قطاع من القطاعات في أي مجتمع خطراً أكبر من ذلك الذي يمثله تعطل قطاع التعليم، ذلك لأنه مرتبط ليس فقط بحاضر المجتمعات والدول وباستمرارية الحياة وديمومتها راهناً، وإنما يهدد بشكل مباشر مستقبل أجيالها التي تشكّل الذخيرة والرصيد الذي تعتمد عليه للمحافظة على النوع ومواصلة مساراتها الحضارية.

صحيح أن عرقلة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية تؤثر بشكل مباشر في حياة الإنسان لأنها قد تتسبّب في حجب بعض السلع والخدمات، وتحدُّ من الممارسات التي اعتادها الناس وتضطرهم إلى التخلي عن بعض الكماليات وأسباب الرفاهية، غير أن ذلك كلّه قابل للاستدراك، كما أن نتائجه آنية وتداعياته محدودة بنطاق زمني، فضلاً عن أن من السهل تعويض أي خسائر تنجم عنه، على العكس من العملية التعليمية التي تقوم على بناء العقول وتزويدها بذخيرة العلم.

من هنا، وعلى الرغم من الظروف الاستثنائية التي فرضها انتشار فيروس كورونا المستجدّ «كوفيد-19»، التي شملت عمليات إغلاق واسعة على مستوى العالم كلّه، وتضمّنت في معظم الأحيان إجراءات وقائية واحترازية قاسية شملت حظر التنقل والسفر، وغير ذلك، فإن دول العالم كافة تمسّكت بشدّة، وبلا تردد، باستمرار العملية التعليمية، وحرصت على عدم إعاقتها أو عرقلتها، وسخّرت كل ما تستطيع من إمكانات لتوفير بدائل التعليم الصفّي المباشر لاستكمال المناهج والعام الدراسي الماضي حتى نهايته، وكذلك انطلاق العام الدراسي الجديد بنظم وخيارات تتلاءم مع واقع كل مجتمع وإمكاناته من ناحية، ومع الوضع الوبائي ومعدلات تفشي الفيروس بين أفراده من ناحية ثانية.

ومما يؤشّر إلى الخصوصية الدقيقة والأهمية الكبيرة اللتين يجب أن يتم التعامل بموجبهما مع العملية التعليمية وفي دول العالم جميعاً، ما أكده وزراء التعليم في مجموعة العشرين خلال اجتماعهم الاستثنائي الذي عقد مؤخراً، من أهمية ضمان استمرارية عملية التعليم للجميع خلال الأزمات، وضرورة دعم الجهود الفردية والجماعية المبذولة لتخفيف الآثار غير المسبوقة التي تسبّبت بها التبعات غير المعهودة لجائحة كورونا على التعليم، وذلك نظراً لما يقوم به التعليم من دور مركزي لا يمكن الاستغناء عنه في تمكين الإنسان من اغتنام فرص القرن الحادي والعشرين.
البيان الذي صدر عن الاجتماع جسّد حقيقة لا يمكن الاختلاف عليها، وهي أن التعليم حق من حقوق الإنسان وأساس للحقوق الأخرى، كما أنه يمثل أساس التنمية الشخصية، ويعدّ المنطلق لمواجهة التحديات المختلفة التي تعترضهم خلال مسيرة حياتهم، وهو ما يعني بالمحصلة أن أي خلل أو قصور في هذه المنظومة سيؤثر سلباً وبشكل كبير في قدرات النشء، وعلى مهاراته واستعداده النفسي والعقلي للتعامل مع متطلبات الحياة ومستجداتها.

لقد كانت دولة الإمارات سبّاقة ومتميزة في المحافظة على انتظام العملية التعليمية، وفي توفير البيئة الآمنة والملائمة لطلبتها في المراحل جميعها ليواصلوا مسيرتهم في نهل المعرفة من دون انقطاع، وقد سخّرت لذلك إمكانات ضخمة وبذلت جهوداً جبارة لتوفر أكثر من نظام وطريقة تضمن بها لطلبة المدارس والجامعات مواصلة التعلم، وتحميهم في الوقت ذاته من شرور الوباء، وتمنع أي فرصة لتفشي الفيروس في المنشآت التعليمية، وهي تجربة رائدة تنطلق من إدراك واعٍ، وتقدير لا حدود له لأهمية العلم في تعزيز مسيرتها نحو النهضة والتطور.

«كورونا» عابر وسيزول، والإنسان باقٍ، ومسيرته في التعلم والاكتشاف لا يجوز أن تتوقف، وذلك مدعاة لدول العالم جميعها لتعزيز التعاون في سبيل ضمان وصول التلاميذ والطلبة على مقاعد الدراسة، أياً كان موقعهم، إلى مصادر التعلم المناسبة، وتسخير كل الإمكانات التي تضمّ عدم تعثر مسيرتهم التعليمية لأن «العلم في الصغر كالنقش في الحجر».

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات