الافتتاحية: التضامن العربي ضرورة وليس ترفاً

  • 10 أغسطس 2020

لم يكن التضامن العربي يوماً ترفاً أو مطلباً كمالياً يتجاوز الحاجة الأساسية، وإنما هو على الدوام ضرورة استراتيجية تقتضيها متطلبات البقاء وتفرضها عوامل التاريخ والجغرافيا، خصوصاً وأنها تقوم على أسس راسخة وتستند إلى جدران صلبة متينة قادرة على تحمّل الظروف كافة واستيعاب المتغيرات والمستجدات على اختلافها والتقليل إلى أبعد الحدود من تداعياتها وتأثيراتها، ابتداء من وحدة الدم واللسان، مروراً بوعاء الحضارة الواحدة، وصولاً إلى المصير المشترك.
ولا يختلف اثنان على أن ما يجمع العرب دولاً وشعوباً أكثر بكثير مما يفرقهم، فهم يمتلكون من المقومات، إن أحسن استثمارها واستغلالها وأتقن توجيهها والعمل بها، ما يجعل منهم تكتلاً إقليمياً ودولياً لا يستهان به وقادراً على الدفاع عن كينونته ووجوده ومصالحه، وعلى إقامة علاقات متوازنة ومتكافئة وندّية مع دول العالم وتكتلاته وقواه الخيّرة، وفي مقدمة تلك المقومات الوحدة الجغرافية والعمق الاستراتيجي ووفرة الثروات وتنوعها ووجود العقول والأدمغة القادرة على خدمة وإدارة المشروع النهضوي والثقل السكاني المنسجم والمتناغم.
الإرادة السياسية هي العنصر الوحيد الذي ينقص المعادلة حتى تكتمل، بحيث يستطيع العرب التحول من دول متفرقة لكل منها مصالحها وعلاقاتها وتوازناتها، إلى تكتل موحّد وكيان له ثقله ووزنه، يُحسب حسابه في المحافل الدولية، وهو أمر لا يتطلب الكثير ولا يحتاج إلى معجزات وإنما يمكن تحقيقه من خلال التوصل إلى صيغة جامعة يلتقي حولها الجميع ويتمسكون بها ويتخذون منها سبيلاً لإقامة علاقات متوازنة تبنى على الاحترام المتبادل، على أن يلتزم الجميع بأداء ما عليه من واجبات ويحصل على ما له من حقوق وفق قواعد يتم وضعها بالتراضي والتفاهم بعيداً عن مفاهيم الوصاية ومثيرات الحساسية وقواعد «الأخ الأكبر والأخ الأصغر» التي تجاوزها الزمن وأبطلتها المنجزات، فلكل منهم الآن وزنه النوعي والمعنوي وثقله الذي يقاس بحجم ما حققه من تقدّم، وهي أمور يفترض اعتبارها عوامل دعم وتعزيز للحالة الجمعية إذا ما أريد للمشروع العربي النجاح والتقدم نحو الأمام.
لقد حذر الدين الإسلامي الحنيف من الفرقة والتباعد والتنافر «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» لأنها تشكّل نقاط ضعف تنخر في جسد الأمة وثغوراً تهدد وجودها ومداخل يمكن لكل متربص النفاذ منها واستغلالها لزيادة عوامل الفرقة والخلاف التي تخدم تحقيق مآربه وأطماعه، خصوصاً إذا ما وجد المناخ الملائم الذي يتمثل في استجابة بعض أعضاء الجسد له وقبولهم الوقوف في صفه واستعدادهم لخدمة مشاريعه حتى ولو كان ذلك على حساب وحدة الصف والكلمة التي تعتبر المفتاح الأهم لمقاومة كل ما قد يضر بحاضر الأمة ومستقبلها، وحتى وإن كان هذا البعض يعلم علم اليقين أن هذه الحال لا تخدم سوى مصالح الغير الدخيل الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنياً بغيرها أو أن يأخذ بعين الاعتبار متطلبات واحتياجات غيره، بما في ذلك من يتحالف معه ويفسح له الطريق لشق الصف، وهو ما ثبت من خلال التجارب التي أكدت أن الخروج على الإجماع العربي والاحتماء في ظل الأجنبي لا يمكن أن يحقق مصلحة ولا أن يحمي أمناً ويحفظ مكانة.
قد يظن البعض أن في الخروج على وحدة الصف ومحاولة الانسلاخ عن بيئته ومحيطه تأكيد لاستقلال القرار، وقد يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ليعتقد أن في ذلك بطولة ومجداً فيأخذه الكبر والعزة بالإثم ناسياً أو متناسياً أن الالتزام بالإجماع العربي والحرص عليه والاستجابة لمتطلباته لا يمكن أن يكون إلا مصدر قوة ومنعة ولا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال ضعفاً أو تنازلاً، خصوصاً إذا ما كانت هناك قناعة راسخة بأن الكرامة والسيادة وحتى المصالح العربية كل لا يتجزأ، ولنا في واقع لبنان وقطر خير مثال على ذلك، كما قال معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية عندما أكد «أن الأحداث الخطيرة والمؤلمة والتطورات الجسيمة تثبت دائماً أن البعد العربي ضروري وأن جسور التواصل مع المحيط العربي لا يمكن استبدالها، ودروس الدوحة وبيروت وغيرها من العواصم العربية ماثلة أمامنا، والعبرة في استخلاص الدروس المفيدة منها».

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات