الافتتاحية: التضامن العربي ضرورة تفرضها تحديات المرحلة

  • 29 يوليو 2020

تعزيز التعاون البيني العربي، سواء على المستوى الثنائي أو الجمعي، ضرورة قصوى تفرضها تحديات المرحلة التي تمرّ بها المنطقة العربية، والمخاطر التي تهدد أمنها واستقرارها، وفي المقدمة من ذلك الأطماع والتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية لأكثر من بلد عربي التي بلغت حدّاً غير مسبوق يتجاوز فيه خطرها حدود البلدان المعنية ليطال الساحة العربية كلها وينذر بنشر الفوضى والتخريب والانفلات على امتدادها.
والواقع أن الضعف والتراجع اللذين عاناهما العمل العربي المشترك على مدار العقد الأخير، كانا من الأسباب الأساسية للواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، فقد أديا إلى حدوث ثغرات عديدة في جدار الأمن القومي وشجّعا التدخلات الخارجية في الشأن العربي التي لا تستهدف سوى تحقيق مصالحها بصرف النظر عن النتائج التي تترتب على تلك التدخلات على مصالح الدول العربية وعلى أمنها واستقرارها وسيادتها، حتى وصلت الأمور إلى مرحلة دخلت فيها حياة الإنسان العربي واستقراره وكرامته وسبل معيشته هي الأخرى في المزاد وأصبحت مادة يستغلها الطامعون والطامحون والحالمون بالأمجاد للمساومة وأحياناً الابتزاز، بعدما تمّ في وقت سابق استغلالها لتسجيل المواقف ودغدغة المشاعر والعواطف وتوظيفها في شعارات لا هدف لها سوى الشعبوية وكسب التأييد بالاعتماد على الدعاية التي تقوم غالباً إما على أنصاف الحقائق وإما على تزويرها بشكل كامل.
وبالعودة إلى التاريخ وقراءته بتجرد ودون محاباة ولا تحيّز ولا أحكام مسبقة، فإننا نجد أن المدخل الرئيسي والثغرة الأساسية التي تمكّن عبرها الغزاة والطامعون من خرق الجدار العربي وتنفيذ مخططاتهم ومآربهم في ضرب المنجزات التي حققتها الأمة العربية والسيطرة على مقدراتها، كان دائماً هو زرع بذور الفتنة والفرقة وإذكاء الخلافات وبث الضغينة واستغلال أي تباينات بين مكونات الأمة مهما كان نوعها وحجمها لإحداث القطيعة وتفريق الجمع والدفع باتجاه إقامة كيانات ضعيفة هزيلة لا حول لها ولا قوة، ومن ثم الانقضاض عليها واحداً تلو الآخر، أو إخضاعها لوصايتها وجعلها منطقة نفوذ خالصة تتبع لها في شؤونها كافة وتعتمد عليها في توفير أدنى متطلباتها.
واليوم، في ظل ما تواجهه الأمة من مخاطر، فإن الدول العربية باتت في حاجة ماسة إلى مقاربة جديدة يتم فيها البناء على الحد الأدنى من أسس وقواعد التعاون والتضامن الموجودة حالياً، بحيث يتم تعظيم المشتركات وتقزيم المختلف عليه، وعلى أن تتضمن هذه المقاربة، بالإضافة إلى الشق المعنوي الذي لطالما كان شعاراً تتناقله الأجيال وتتغنى به، إجراءات ملموسة على أرض الواقع تضمن حماية المصالح العربية وتحد من المؤثرات الخارجية التي تهدد استمراريتها وتنميتها والمحافظة عليها وتوسيع نطاقها على مستوى الدول العربية كافة، وتوصد الباب أمام أي تدخلات خارجية في الشأن العربي، سواء كانت بشكل مباشر أو غير مباشر، وتلغي أي مبررات أو أسباب يمكن استغلالها لإيجاد موطئ قدم لقوى غريبة على أي أرض عربية.
إنّ التآزر المتبادل والسعي إلى التكامل اللذين تتميز بهما العلاقات بين كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ومصر، واللذين يتجلّيان في تأكيد الإمارات والمملكة دعمهما الكامل والدائم للموقف المصري في الأزمة الليبية، وموقفهما الثابت من أهمية احترام مقومات الأمن الوطني المصري، وحل الموقف الليبي من خلال المشاورات السياسية السلمية، وإبعاد ليبيا عن التدخلات الأجنبية، يشكلان حالة متميزة ونواة صالحة لإعادة بناء منظومة التضامن العربي على أسس جامعة، محورها الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان، هو صون السيادة وحماية استقلال القرار في كل دولة عربية ورفض ومنع التدخلات في الشأن العربي تحت أي ذريعة كانت.
أمن الدول العربية مترابط ومتشابك ولا يمكن تجزئته، حتى وإن اختلفت السياسات والأنظمة، وذلك بسبب المنظومة الاجتماعية والدينية والوجدانية واللغوية التي تحدث تفاعلات تنتشر وتتمدد بسرعة داخل المجتمع العربي، وبحيث يلقي أي حدث في أي دولة عربية مباشرة بظلاله على الساحة العربية كلها ويؤدي في حال كان سلبياً إلى إحداث حالة من القلق والتوتر تتحول بسرعة إلى مزاج عام، وهو ما يجعل من الضرورة التعامل معه كمنظومة واحدة لا تقبل التقسيم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات