الافتتاحية: «التضامن العالمي» ضرورة للتغلب على «كورونا»

  • 18 يناير 2021

لم تكن مناسبة سعيدة تلك التي اختار فيها أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، أن يُذكِّر العالم بوجوب التضامن في مواجهة «كورونا»، إذ تزامنت كلماته مع وصول وفيات الوباء إلى مليوني إنسان. وقد أشار غوتيريش بأسىً إلى أن العلم قد أنجز دوره في حين فشل التضامن العالمي في الاستفادة من الجهود العلمية الجبارة التي بُذلت منذ أطل شبح الوباء المخيف على العالم، وأن الدول الغنية عليها أن تتحمل مسؤولية توصيل اللقاح إلى الدول الفقيرة، وتوفيره لـ«جميع العاملين في مجال الرعاية الصحية بجميع أنحاء العالم على أساس عاجل ولحماية النظم الصحية من الانهيار».

والتضامن العالمي، ولاسيما من جانب الدول الغنية، ليس داخلًا في باب الإحسان الخالص، لأنه يندرج بالقدر الأكبر تحت بند حماية الذات قبل الآخرين. وعدد الوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تجاوز 392 ألفًا، إشارة دالة في هذا الصدد، ولاسيما مع طبيعة المرض القابلة للانتشار السريع، وقدرة الفيروس المسبب له على التحور والتغير ليكون أشد فتكًا. وفي السياق نفسه، فإن ضمن قائمة الدول العشر الأعلى عالميًّا في وفيات «كورونا»، وفقًا لموقع جامعة جون هوبكنز الأمريكية، خمس دول تُعدُّ من بين دول العالم المتقدم، فإلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية هناك بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

يلزم التوقف أيضًا أمام الدلالات المهمة لتوزُّع عدد الوفيات زمنيًّا، ففي حين بلغ عدد الوفيات مليون حالة في نهاية سبتمبر 2020، أي بعد نحو ثمانية أشهر من بدء انتشار المرض، فإن المليون الثاني من الوفيات احتاج إلى ثلاثة أشهر ونصف، وهو ما يثير مخاوف حقيقية بشأن ما يحمله المستقبل مع ظهور السلالات الجديدة. ومهما كانت الجهود المحلية في الدول المختلفة في مواجهة المرض كبيرة وفاعلة فإن بقاء الوباء في منطقة ما من العالم قد يجعل احتمالات الانتكاس كبيرة، ويزيد من أهمية التضامن العالمي في كل الدول، وإتاحة فرص الوصول المتوازنة إلى اللقاحات للبشر جميعًا.

ومن الوجهة الاقتصادية، فقد تضمن تقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية» لشهر يناير 2021، الصادر عن البنك الدولي، أن التعافي الاقتصادي العالمي «سيكون ضعيفًا على الأرجح، ما لم يتحرك صانعو السياسات بحسم لكبح جماح الجائحة»، وأن سيناريو تحسُّن الأوضاع العالمية يمكن أن يُسرِّع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي في عام 2021، بمعدَّل قد يصل إلى 5 في المئة بشرط «النجاح في السيطرة على الجائحة وتسارع عملية توزيع اللقاحات»، في حين أن ارتفاع الإصابات والتأخر في توزيع اللقاحات، يمكن أن يكبح النمو العالمي ليبلغ 1.6 في المئة. وهذا الفارق الكبير في النمو العالمي، الذي تذهب أغلب فوائده إلى اقتصادات الدول الغنية، يجب أن يكون دافعًا لها إلى الاستجابة لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة.

وما يلفت النظر أن الدعوة إلى «التضامن العالمي» ومساعدة الدول الفقيرة، قد انطلقت من دولة الإمارات العربية المتحدة مبكرًا، فقد غرد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في 22 مارس 2020، قائلًا: «نقول لكافة دول العالم: هذا وقت التوحد والتعاون والتكاتف لمحاربة أهم عدو للبشرية. الخلافات جميعها تصغر أمام هذا التحدي الجديد، والعالم يستطيع التغلب عليه بشكل أسرع إذا وقف القوي مع الضعيف والغني مع الفقير». وتكررت الدعوة ذاتها من جانب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، الذي قال في اتصال هاتفي مع رئيس وزراء نيبال في 14 إبريل 2020: «إن العالم يخوض معركة ضد انتشار هذا الفيروس، لذلك يحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى التضامن والتكاتف وتنسيق الجهود ومد يد العون للدول والمجتمعات التي تحتاج إلى الدعم والمساعدة».

وقد ترجمت دولة الإمارات رؤيتها الإنسانية السامية حول التضامن بصورة عملية، حيث قدَّمت منذ بدء الوباء أكثر من 1742 طنًّا من المساعدات لأكثر من 128 دولة، استفاد منها نحو 1.7 مليون من العاملين في المجال الطبي، لتكتمل الرؤية بالتطبيق، والقول الحكيم بالفعل النبيل، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية ثابتة رسَّختها الدولة منذ تأسيسها، وعكستها ممارساتها على مر السنين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات