الافتتاحية: التدخل التركي تأزيم للموقف في ليبيا

  • 18 ديسمبر 2019

منذ توقيع اتفاق الصخيرات لحل الأزمة الليبية، والذي مرّت عليه أربع سنوات بالتمام والكمال، والأزمات السياسية في هذا البلد العربي تتفاقم يوماً بعد آخر وتتحوّل في كثير من الأحيان إلى صراع مسلّح يحصد من أرواح الليبيين ما يحصد، ويسهم في المزيد من تدمير البنية التحتية الهشّة أصلاً، ومن ثمّ إعادة ليبيا سنوات إلى الوراء اقتصاديّاً وأمنيّاً وحضاريّاً واجتماعياً.
فبعد سقوط نظام معمّر القذافي في عام 2011 الذي جاء عقب حرب داخلية قاسية وتدخّل دولي دمّر الكثير من مقدّرات البلد وإمكاناته، استبشر الليبيون بالانتقال إلى عصر جديد يتميّز بالحرية والانفتاح على العالم، يتمكنون فيه من المشاركة في حكم أنفسهم وصياغة مستقبل بلادهم، إلّا أنّ خلافات الفرقاء وارتباط بعض القوى السياسية وامتداداتها الخارجية وتدخل أطراف دولية في الشأن الليبي أحبط تلك الآمال ووأد تلك الأحلام، بل وحوّلها بين الحين والآخر إلى كوابيس تقضّ مضاجعهم، وتهدد استقرارهم ومستقبل أجيالهم القادمة.
وقد مثّل «الصخيرات» الذي وُلد بعد سلسلة مفاوضات اتسمت بالصعوبة والتعنت من قِبل الأطراف المختلفة نافذة أمل وبصيص ضوء في آخر نفق الخلافات الليبية، وخاصة أنه تمّ برعاية أممية وشاركت فيه غالبية أعضاء أطراف النزاع في البلاد الذين مثلوا أطياف الشعب الليبي كافة، ونصّ على الحدّ الأدنى من التوافق عبر تشكيل حكومة وفاق وطني تقود مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية، بعد عام، وتوسيع المجلس الرئاسي ليتكوّن من تسعة أشخاص، غير أن ما حدث على أرض الواقع هو أن الاتفاق ظل حبراً على ورق نتيجة تعدد المرجعيات وحالة الانقسام العميقة التي تعانيها الساحة الليبية، والتي تفاقمت إلى حد تشكيل ميليشيات مسلحة تتبع التيارات المختلفة، وتنتشر في مختلف أنحاء البلاد.
تركيا الحالمة باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، ورئيسها رجب طيب أردوغان الذي تراوده طموحات السلطنة، دخلت على خط الأحداث، ولكن ليس طرفاً إصلاحياً أو توفيقياً، بل داعماً لحكومة فايز السرّاج، وذلك سعياً لإيجاد موطئ قدم لها في ليبيا الغنية بالنفط والتي تشاركها الإطلالة على شرق المتوسط وما يكمن تحته من ثروة الغاز، التي فتحت شهيّة أنقرة واسعة على أمل التقليل من أعباء فاتورة الوقود التي استَنزفت العام الجاري نحو 45 مليار دولار من اقتصادها نتيجة اعتمادها الكامل على الاستيراد.
وجاءت الاتفاقيات التي وقعها أردوغان والسرّاج أواخر نوفمبر الماضي لترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، وإرسال قوات تركية إلى ليبيا في حال طلبت حكومة الوفاق الوطني دعماً عسكرياً، محاولةً لفرض وتكريس أمر واقع بذرائع قانونية، والهروب إلى الأمام في ظِل ما واجهه التدخل التركي من ردود فعل رافضة ومستنكرة على المستويين العربي والدولي، غير أنها عادت بنتائج عكسيّة خالفت ما كان يطمح إليه الأتراك، حيث أثارت موجة غضب إقليمي شملت كلّاً من اليونان وقبرص ومصر باعتبار أنها تشكّل اعتداء على المياه الإقليمية، وسطواً على ثروة مشتركة بين العديد من الدولة التي تطل على حوض المتوسط.
وإزاء هذا التدهور في الوضع السياسي الذي زادته محاولات التدخل الخارجي حدة، وانتشار الميليشيات والفصائل المسلّحة التي توالي التيارات السياسية وتأتمر بأمرها، وجد الجيش الوطني الليبي نفسه أمام خيار وحيد وهو التدخل ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه للمحافظة على استقلال القرار الوطني وإعادة توحيد البلاد والمحافظة على ثرواتها من الاستغلال الخارجي ومنع تغول الميليشيات التي ينذر انتشارها وسيطرتها على العديد من مدن البلاد بحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، لتأتي معركة الحسم التي انطلقت قبل أيام عدّة، والتي يؤمل أن تعيد الاستقرار والوحدة إلى ليبيا، وتخلّصها من سنوات عجاف خسرت خلالها الكثير من مقدّراتها وثرواتها، وتمكّن شعبها من التفرغ لمعركة الحياة والبناء والإعمار.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات