الافتتاحية: التخلص من «كورونا» يتطلَّب تعاوناً عالمياً مخلصاً

  • 26 أغسطس 2020

ما زال فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) يمثل التهديد الأول الذي يواجه العالم من شرقه إلى غربه، ويعوق جوانب الحياة الإنسانية كافة، ويعطّل مسار معظم الأنشطة التي يعتمد عليها الناس في معيشتهم اليومية، ويضرب بلا هوادة مقومات النمو الاقتصادي، ويمنع استئناف الفعاليات الاجتماعية، خصوصاً مع عودة انتشار الوباء في كثير من الدول التي كانت قد حققت نتائج جيدة في احتوائه، فيما يمكن أن نسميها «موجة ثانية» بدأت ملامحها في التشكل، ودق ناقوس الخطر، والتذكير بأن الجائحة لم تنتهِ بعدُ؛ وأن الخطر لا يزال كبيراً.

وفي الواقع، وبرغم كل الإنجازات التي تم تحقيقها على المستوى العالمي في مواجهة هذا العدو الخفي المتربّص، الذي لا يفرق بين إنسان وآخر، ولا يعترف بحدود جغرافية ولا بفوارق عرقية أو دينية، ولا يقف عند حدود سياسية، ويستغل أي فرصة أو ثغرة في جدار الإجراءات الوقائية والاحترازية ليهاجم من جديد؛ فإن الطريق طويل أمام البشرية للتخلُّص من كابوسه، وتجاوُز ما تسبَّب به من تبعات وتداعيات؛ الأمر الذي يتطلَّب من دول العالم جميعاً تجاوز أوهام إمكانية الانتصار الفردي على المرض، أو البقاء بمنأى عنه؛ لأن تجربة الأشهر الثمانية التي مرَّت كانت كفيلة بإثبات أنه لا أحد على وجه الكرة الأرضية محصَّن من هجماته، وأنه قادر على اقتحام المجتمعات والعودة إليها في أي وقت، ولنا في تجربة نيوزيلندا التي عاد إليها الفيروس بعد اختفائه 100 يوم. والصين التي لا تزال تكافح بؤر ظهوره وتنقُّله بين مدنها ومقاطعاتها؛ برغم ما حققته من إنجازات في التصدي له، خير مثال على خطورة الموقف وجدّيته، وضرورة عدم التهاون أو التراخي في اتخاذ الاحتياطات، والأخذ بالأسباب التي تساعد البشرية على التخلُّص من هذا الكابوس الذي يجثم على صدرها.

وأول أسباب التغلُّب على «كورونا المستجد» بلا شك هو تعزيز التعاون الدولي المخلص وتكثيفه في الجوانب كافة ذات العلاقة بمواجهة الفيروس والقضاء عليه؛ ويشمل ذلك الشفافية في تداول المعلومات والبيانات الخاصة بالمرض وأعداد الحالات المصابة، ونتائج البحوث والدراسات التي تُجرَى بشأنه؛ والعلاجات المتوافرة التي يمكن أن تساعد على الشفاء، والتقليل من تزايد حالات الإصابة، والطرق الأكثر نجاعة وفاعلية للوقاية من العدوى، وكذلك تقديم المساعدات من العقاقير والأدوية وأدوات الحماية إلى الدول الأكثر تضرراً من تفشي المرض، وتلك الأشد فقراً التي لا تستطيع توفير معدات الوقاية حتى للعاملين في خطوط المواجهة الأمامية، والأهم من ذلك كلّه توحيد الجهود الهادفة للتوصُّل إلى لقاح فعَّال وآمن وقادر على الوقاية من الفيروس، وهو السبيل الأمثل للخروج من هذه الأزمة، وعودة الحياة إلى طبيعتها على كوكب الأرض.

صحيح أن كثيراً من الدول حققت اختراقات لا يُستهان بها، ولا يمكن إغفالها أو تجاوزها عند الحديث عن اللقاح، وباتت تتحدث عن تسجيل ما توصلت إليه واعتماده، وقرب البدء في توزيعه على مواطنيها، ولكنَّ هذه المنجزات تقع ضمن إطار الجهود الفردية، والرغبة في تسجيل السَّبْق، الذي قد تشوبه شبهات الربح المادي أو الحمائية والاحتكار، التي قد تعوق إمكانية الاستفادة منه على أوسع نطاق، وتؤخر وصوله إلى كثير من الدول والشعوب.

ومن هنا تنبع أهمية مبادرة «كوفاكس» العالمية المصمَّمة لضمان الإنصاف في الحصول على لقاحات «كوفيد-19»، التي تشارك فيها حتى الآن نحو 172 دولة، وتهدف إلى ضمان التوفير العالمي العادل للُّقاحات بمجرد تطويرها والتصريح باستخدامها، وتأمين الإمدادات، وتسليم ملياري جرعة للدول الموقّعة المبادرة بنهاية عام 2021، وهذا مثال حيٌّ على التعاون الحقيقي بين دول العالم، الذي يمكن أن يمثل طوق النجاة الذي يساعد البشرية على الوصول إلى برّ الأمان.

إن التعاون والتكاتف نداء أزلي أبدي طالما خلَّص البشرية من الأزمات، وخفَّف عنها الكثير من عواقب الكوارث والأمراض وتبعاتها؛ وكورونا ليس خارجاً عن هذه السُّنَّة التي لا بد للعالم من اتباعها لتجاوز هذه المحنة، ووضعها في أرشيف التاريخ.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات