الافتتاحية: الاعتبارات الإنسانية قبل كل شيء

  • 4 مارس 2020

لطالما كانت الاعتبارات الإنسانية هي الأساس في المساعدات التنموية أو الإنسانية، التي تقدّمها دولة الإمارات العربية المتحدة؛ فمنذ تأسيس الاتحاد على يد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، وحتى قبل ذلك، عندما كان حاكماً لإمارة أبوظبي، حرصت دولة الإمارات على أن تكون مساعدة الشعوب والمجتمعات الأخرى أولوية وهدفاً أساسياً لها؛ ولذلك أسست مؤسسات وصناديق في وقت مبكر من عمرها من أجل هذا الهدف؛ وبمقدار حرصها على توفير المساعدات بأشكالها المختلفة منذ البداية، برغم ندرة الموارد آنذاك؛ فقد حرصت على تقديمها لكل من يحتاج إليها، بما ينسجم مع رؤية الشيخ زايد الإنسانية تجاه مختلف دول العالم وشعوبه؛ وقد سارت القيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، على النهج نفسه؛ فعززت هذا المبدأ، ووسعت من نطاق المساعدات ودائرتها، بالتوازي مع تنامي الموارد والإمكانيات؛ حتى غدت دولة الإمارات رائدة في هذا المجال، بل تصدَّرت قوائم المساعدات بشقيها التنموي والإنساني على مستوى العالم سنوات عدَّة. ويبقى أكثر ما يميز معايير هذه المساعدات هو أنها تعطى وفقاً لقاعدة الحاجة أولاً وقبل كل شيء، وبقي هذا هو المحرك والدافع الأساسي الذي أثبتته الأيام والأحداث.
وفي هذا السياق جاء إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، توفير طائرة مكَّنت فريق خبراء منظمة الصحة العالمية والإمدادات الطبية الخاصة بفيروس «كورونا» الجديد «كوفيد 19» من الوصول إلى إيران؛ في إطار الجهود العالمية لاحتواء هذا الفيروس، الذي يمثل خطراً بالفعل؛ ليس على الدولة التي نشأ منها، أو تلك التي يتفشَّى فيها فقط، ولكنه خطر على العالم بأسره. وقد حظيت هذه الخطوة بتقدير من الدكتور تيدروس أدهانوم جبريسيوس، مدير عام منظمة الصحة العالمية، الذي عبَّر عن بالغ شكره وامتنانه لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة على هذا الدعم؛ حيث قامت المدينة العالمية للخدمات الإنسانية في دبي، التي تُعدُّ أكبر مركز لوجستي للخدمات الإنسانية ومواد الإغاثة في العالم، بتجهيز الطائرة التي أقلَّت أعضاء الفريق الفني إلى إيران بإمدادات طبية ومعدات وقاية؛ لدعم أكثر من 15 ألف شخص وعامل في مجال الرعاية الصحية في إيران، إضافة إلى ما يكفي من مجموعات المختبرات لاختبار وتشخيص حالات نحو 100 ألف شخص.
إن مثل هذه الخطوة ليست بجديدة على دولة الإمارات أو قيادتها؛ بل هي أمر طبيعي ومتوقَّع دائماً؛ فبرغم سلوك إيران المزعزِع للأمن والاستقرار في المنطقة، وتدخلاتها السافرة في شؤون دول الخليج والمنطقة العربية بشكل عام، ومن قبلُ بالطبع احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث؛ فلم تتردَّد دولة الإمارات في تقديم يد العون والاستجابة للدعوات الدولية؛ من أجل تقديم المساعدة إلى إيران في هذا الظرف العصيب؛ وهذا يؤكد أن ما يحكم هذه المساعدات وتقديمها هو مساعدة الناس، كل الناس، من دون اعتبار لأي معيار غير موضوعي، سواء تعلق ذلك بالعرق، أو الدين، أو المذهب، أو الجنسية، أو حتى حالة الصراع أو العداء؛ وهي ميزة نادراً ما نجدها في هذا العالم القائم في الأساس على المصالح؛ بل لا تُقدّم الكثير من دول العالم المساعدات، أحياناً، إلى أمسّ الناس والمجتمعات حاجة إليها إلا لاعتبارات سياسية؛ أو لتحقيق أغراض ضيّقة أخرى مصاحبة؛ على عكس المنهج الإماراتي الذي يَعُدُّ المساعدات جزءاً لا يتجزأ من سياسة الدولة الخارجية، ويرفض ربطها بأي اعتبارات مصلحية؛ وهذا ما يجعلها دائماً محل تقدير وثناء دوليَّين.
وهكذا تثبت دولة الإمارات يوماً بعد يوم أنها بلد رائد في مجال المساعدات، وهي حريصة على المحافظة على هذه الريادة، بل تعزيزها من أجل إغاثة الآخرين ومساعدتهم على مواجهة الكوارث، سواء الطبية، أو التي من صنع الإنسان، وتحسين حياة الناس، ومن ثمَّ نشر السلام في مختلف أرجاء المعمورة.

Share