الافتتاحية: الاستيطان.. مخالف للقانون والأخلاق الدولية

  • 20 نوفمبر 2019

يمثل إعلان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أن بلاده لم تعد تعتبر المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة «غير متسقة مع القانون الدولي»، الذي لقي رفضاً فلسطينياً قاطعاً وإدانات عربية ودولية واسعة؛ حلقة أخرى في سياسة الانحياز الكامل للاحتلال الإسرائيلي؛ وهي ليست تحولاً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية وحسب، ولكنها أيضاً تمثل استهتاراً بالقانون الدولي؛ وخرقاً للقيم الإنسانية التي تعارفت عليها المجتمعات والأمم على مدار التاريخ؛ والحقيقة أن الولايات المتحدة بهذا الإعلان تجاوزت كل الحدود؛ حيث سمحت لنفسها أن تتجرأ على حقوق الآخرين وتتصرف بها كما تشاء، تماماً كما لو كانت تحكم غابة لا يسود فيها سوى قانون القوة؛ فالمستوطنات التي يرفضها القانون الدولي، وصدرت بحقها عشرات القرارات الملزمة من مجلس الأمن وكان من بينها وأهمها أيضاً القرار الذي صدر أواخر عام 2016، بأغلبية ساحقة، ويعُدُّ الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية غير شرعيٍّ، ويطالب الاحتلال الإسرائيلي بإيقافه؛ هو عمل ليس مخالفاً للقانون فقط، ولكنه أيضاً اعتداء مباشر على حقوق أناس آخرين؛ حيث ينطوي على مخاطر كثيرة منها تهجير أصحاب البلاد الأصليين من أرضهم وحرمانهم حتى من أبسط حقوقهم في أن يعيشوا على الأرض التي ولدوا فيها وورثوها عن آبائهم على مدار آلاف السنين. ثم يأتي مسؤول يملك من القوة والسطوة ومن على بعد آلاف الكيلومترات يقرر مصير أرض اغتصبت بالقوة؛ ويصر على حرمان أهلها الأصليين من حقهم في استعادتها؛ كما تطالب الشرعية الدولية، وكما تطالب كل دول وشعوب العالم، بالطبع باستثناء المتطرفين في «إسرائيل» ونظرائهم في الولايات المتحدة. والأمر الغريب، بل والمستهجن، أن يعلن بومبيو أن هذا القرار سيساعد على تحريك عملية السلام المنعية أصلاً منذ سنوات بسبب تعنت الاحتلال وهمجيته، ودعم الولايات المتحدة وغطرستها، والأدهى والأَمرّ أن بومبيو يقول: إن مستقبل المستوطنات في الضفة الغربية متروك للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ ولعله من السخرية أن تدعو للسلام وأنت تعمل ضده. هذه هي حال الإسرائيليين ومن يقف وراءهم من الأمريكيين، حيث يتواصل الحديث عن الرغبة في السلام والسعي من أجل التطبيع، وكأن الصراع المستمر منذ أكثر من سبعة عقود، وتسبب في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية على مر العصور، مجرد نزاع على ملكية قطعة أرض.
إن المستوطنات لم تعد فقط عقبة أمام تحقيق السلام؛ بل أصبحت كالخلايا السرطانية حيث تطوق الفلسطينيين من كل جانب؛ وباتت مقار لأكثر الناس تطرفاً في الكيان الإسرائيلي، حيث يقطنها الكثير من المتعصبين والمتطرفين المسلحين الذين ارتكبوا الكثير من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، حيث قتلوا الأطفال وحرقوا المنازل وأهلها بداخلها؛ كما دنسوا المقدسات وحرقوا بيوت العبادة؛ وفي كثير من الأحيان على مرأى ومسمع، بل وحماية من قوات الاحتلال.
إن الإعلان الأمريكي كغيره من القرارات الأخرى الجائرة، التي من بينها إعلان القدس عاصمة «إسرائيل» والاعتراف بسيادة الاحتلال على أراضي الجولان العربية المحتلة؛ باطل من كل الوجوه ومرفوض ويتعارض كلياً مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية الرافضة للاستيطان، ولا يترتب بالتالي عليه أي شيء من الناحية القانونية؛ بل يعد عدواناً مادياً ومعنوياً على الشعب الفلسطيني، الذي ما زال الشعب الوحيد في العالم الذي يقبع تحت الاحتلال، ولم يُنصَف حتى الآن برغم صدور مئات القرارات لصالحه؛ وكذلك على الأمة العربية والإسلامية التي تعتبر فلسطين أرضاً مباركة ولا يمكن أن تفرط بها أو تقبل المساس بحقوق شعبها في حق تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس؛ مهما كانت الغطرسة الإسرائيلية ومهما دعمتها أمريكا؛ لأن هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا يمكن لشعب حر ناضل على مدار أكثر من سبعين عاماً وقدم آلاف الشهداء أن يقبل بهذا الجور؛ أو يستسلم لـ«منطق» القوة؛ حيث يقف العالم بأسره مناصراً له؛ ويعترف بحقه في أن يعيش كغيره من الشعوب على أرضه بسلام؛ وأن يتمتع بالحقوق الأساسية التي تتمتع بها شعوب العالم الآخرى.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات